بصمة خضراء… ألوان الهيدروجين

الهيدروجين بلا لون. شفّاف، عديم الشكل، لا يترك ظلًا ولا أثرًا. عنصر بسيط في تركيبه، لكن معقّد في قصّته. لم يكن يومًا أبيض أو أخضر أو رماديًا بطبيعته، بل كان دائمًا مجرّد هيدروجين. غير أنّ اللحظة التي قرّر فيها الإنسان استخدامه وقودًا للمستقبل، تحوّل هذا العنصر الصامت إلى لوحة ألوان. ألوان لا تعكس جوهره، بل تعكس طريقتنا في إنتاجه، وخياراتنا، ونوايانا.

فليس كل هيدروجين «نظيفًا» كما تُصوّره العناوين اللامعة، وليس كل ما يلمع صديقًا للبيئة. هناك هيدروجين يُسوَّق كحل، بينما يُخفي خلفه دخانًا مؤجَّلًا. لذلك، لنسِر معًا لونًا بعد لون، لا لنحفظ التصنيفات، بل لنفهم الحكاية.

different colors of hydrogen

الهيدروجين الأخضر… الأنقى والأصدق.

يُنتَج عبر تحليل الماء كهربائيًا، بشرطٍ أساسي: أن تكون الكهرباء من مصادر متجدّدة كالشمس أو الرياح. هنا، لا وقود أحفوري، ولا انبعاثات كربونية، ولا أثر ملوّث على البر أو البحر أو السماء. يمكن تشبيهه بشجرةٍ صادقة؛ تأخذ طاقتها من الشمس، وتُعيدها إلينا نظيفة.

لكن هذه النزاهة لها ثمن. فالهيدروجين الأخضر لا يزال مكلفًا، والبنية التحتية لإنتاجه محدودة. لذلك، يبقى حضوره أقل مما نطمح، رغم كونه الخيار الأكثر انسجامًا مع مستقبلٍ نظيف.

الهيدروجين الأزرق… محاولة متردّدة.

يُنتَج من الغاز الطبيعي، تمامًا كالرمادي، لكنه يحاول تدارك الضرر عبر احتجاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن العملية. هو اعتراف غير مباشر بالمشكلة، ومحاولة لمعالجتها بعد وقوعها.

هل يمكن الوثوق به؟ الإجابة ليست بسيطة. فنجاحه يعتمد على كفاءة احتجاز الكربون، وأمان تخزينه لعقود طويلة. لذلك، يراه كثيرون حلًا انتقاليًا، لا نهاية للطريق، بل جسرًا هشًّا بين واقع ملوّث وطموح أنظف.

الهيدروجين الرمادي… الأكثر انتشارًا والأكثر ضررًا.

نحو نصف إنتاج الهيدروجين عالميًا يأتي من الغاز الطبيعي عبر «إعادة تشكيل الميثان بالبخار». عملية فعّالة اقتصاديًا، لكنها ثقيلة بيئيًا. فكل كيلوغرام واحد من الهيدروجين الرمادي يطلق قرابة عشرة كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون.

هنا، لم نحلّ المشكلة، بل غيّرنا اسمها فقط. والأسوأ؟ أنّه الأرخص. لذلك يُفضَّل، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأسهل. ثمنه يُدفع لاحقًا… من هواء المدن، وصحّة البشر، واستقرار المناخ.

الهيدروجين الأسود أو البني… طاقة الفحم.

يُستخرج من الفحم باستخدام درجات حرارة عالية، دون احتجاز للكربون أو حتى محاولة تقليل الأثر. طاقة رخيصة على الورق، لكنها باهظة على الأرض. سحب سامة، وتلوّث عميق، وبصمة كربونية لا يمكن تبريرها.

وجود هذا اللون في خريطة الطاقة ليس مجرّد خيار تقني، بل دليل على أن بعض الأنظمة لا تزال عالقة في الماضي، ترفض الاعتراف بأن التغيير ضرورة، لا ترفًا.

الهيدروجين الأصفر… لون النيّة.

يُنتَج بالتحليل الكهربائي، لكن دون تحديد مصدر الكهرباء. قد يكون من الشمس، وقد يكون من الوقود الأحفوري. لذلك، لونه الحقيقي ليس في المعادلة الكيميائية، بل في قرارنا.
الأصفر ليس لونًا مستقلًا بقدر ما هو مرآة: يمكن أن يتحوّل إلى أخضر إن صدقت النوايا، أو إلى رمادي إن سلكنا الطريق الأسهل.

الهيدروجين الوردي أو البنفسجي… معضلة النووي.

يعتمد على كهرباء مولّدة من الطاقة النووية لفصل الماء. من حيث الانبعاثات الكربونية، يبدو نظيفًا. لكن القصة لا تنتهي هنا. فالنفايات المشعّة تفتح سؤالًا مؤجَّلًا: ليس عن اليوم، بل عن الغد.

أين تذهب هذه النفايات؟ ومن يضمن أمانها بعد خمسين أو مئة عام؟ النظافة هنا لحظية، لكن تبعاتها طويلة الأمد.

الهيدروجين الفيروزي… وعد لم يكتمل.

يُنتَج عبر تقنية «التحلّل الحراري للميثان»، منتجًا كربونًا صلبًا بدل ثاني أكسيد الكربون. فكرة ذكية، تقلّل الانبعاثات جذريًا، لكنّها لا تزال في طور التجربة. تحتاج نضجًا تقنيًا، وتكلفة أقل، وثقة سوقية لم تكتمل بعد. هو وعدٌ جميل… لم يصل بعد إلى مرحلة الالتزام.

الهيدروجين الأبيض… النادر الصامت.

موجود طبيعيًا في باطن الأرض. لا نُنتجه، بل نبحث عنه. نادر، وغير مفهوم بالكامل، لكنه يهمس برسالة عميقة: أحيانًا، تُخفي الأرض حلولًا لم نفسدها بعد. وربما يكون احترامنا للطبيعة هو مفتاح اكتشافها، لا استنزافها.

في النهاية، الهيدروجين لا يختار.

نحن من نختار كيف نُنتجه، ومن أين نأخذه، وماذا نترك بعده. «أخضر»، «رمادي»، «بني»، «فيروزي»… كلها انعكاس لنوايانا، لا للتقنية وحدها. فالتكنولوجيا قد تلمع، لكن البيئة لا تنخدع.

ويبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه في كل مرة نختار فيها وقودنا:

هل يترك هذا الخيار بصمة؟

أم يمحو بصمتنا من الأرض؟

Tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

About م. صقر خالد العنزي

المهندس صقر خالد العنزي مهندس مدني متخصص في الهندسة المستدامة، وهندسة إدارة التشييد، وهندسة المياه والصرف الصحي. حاصل على درجة بكالوريوس العلوم في الهندسة المدنية من «جامعة ألاباما» في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل حاليًا في وزارة الأشغال العامة بدولة الكويت كمشرف على محطات معالجة مياه الصرف الصحي. يُعد المهندس صقر محترفًا في إدارة المشاريع، ومعتمدًا في تطبيق كفاءة الطاقة. كما أنه كاتب عمود في جريدة «الجريدة» الكويتية، وناشط في مجال الاستدامة، ومؤسس وكاتب نشرة «بصمة خضراء». تشمل اهتماماته التنمية المستدامة، المدن الذكية، الاقتصاد الدائري، إدارة النفايات، التحول الطاقي، تغيّر المناخ، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة بالاستدامة.

Share your Thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.