الهيدروجين هو العنصر الأول في الجدول الدوري، والأخف وزنًا في الكون. بسيط جدًا… ذرة واحدة، وإلكترون واحد، لكنه يملك قدرة هائلة تفوق بساطته. في كل قطرة ماء، في كل جزيء عضوي، في كل خلية حيّة تقريبًا، الهيدروجين حاضر. صامت، غير ملفت، لكنه أساسي لوجود الحياة نفسها. نادرًا ما نجده حرًّا في الطبيعة، وغالبًا يكون مرتبطًا بعناصر أخرى، مثل الأكسجين في الماء أو الكربون في الوقود الأحفوري. ومع ذلك، هذا العنصر الصغير بدأ يأخذ دورًا كبيرًا في النقاش العالمي حول مستقبل الطاقة.
الهيدروجين اليوم يُطرح كوقود بديل، ويتميّز بأنه عند استخدامه لا يطلق أي انبعاثات كربونية. الناتج الوحيد من احتراقه هو بخار الماء. لا دخان، لا ثاني أكسيد كربون، ولا جسيمات ملوّثة. لهذا السبب يُنظر إليه كأحد أنظف مصادر الطاقة الممكنة. لكن النظافة هنا ليست تلقائية، بل مشروطة. السؤال الحقيقي ليس ماذا ينتج الهيدروجين عند استخدامه، بل كيف ننتجه من الأساس.
إنتاج الهيدروجين هو النقطة الفاصلة بين الحل الحقيقي والوهم البيئي. إذا تم إنتاجه عبر تحليل الماء باستخدام طاقة متجددة مثل الشمس أو الرياح، فإننا نحصل على ما يُعرف بالهيدروجين الأخضر، وهو وقود نظيف من البداية إلى النهاية. أما إذا تم إنتاجه من الغاز الطبيعي أو الفحم، فإننا نكون قد نقلنا التلوث من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة الإنتاج. في هذه الحالة، يتغيّر الاسم، لكن الأثر البيئي يبقى. الهيدروجين هنا ليس مشكلة، بل الطريقة التي نتعامل بها معه.
اليوم، كثير من الدول ترى في الهيدروجين فرصة استراتيجية. هناك سيارات تعمل بخلايا وقود الهيدروجين، وقطارات بدأت تعتمد عليه، وتجارب لطائرات تستخدمه كمصدر طاقة، إضافة إلى صناعات ثقيلة تبحث عن بديل للوقود الأحفوري يصعب استبداله بالكهرباء وحدها. الهيدروجين يُقدَّم كحل لقطاعات لا تكفيها الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح بشكل مباشر، مثل صناعة الحديد، الشحن البحري، والطيران.
لكن القوة الحقيقية للهيدروجين لا تكمن في التقنية وحدها، بل في الوعي الذي يقف خلفها. هل نستخدم الهيدروجين كجزء من تحول حقيقي في طريقة إنتاج الطاقة واستهلاكها؟ أم نستخدمه كغطاء جديد لنفس النموذج القديم القائم على الاستهلاك المفرط؟ الطاقة النظيفة لا يكفي أن تكون عنوانًا جذابًا في المؤتمرات أو في التقارير الرسمية، بل يجب أن تكون فعلًا يوميًا، وسياسة واضحة، وخيارًا أخلاقيًا.
ورغم الوعود الكبيرة، يواجه الهيدروجين تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها. تخزينه ليس سهلًا لأنه خفيف جدًا ويحتاج إلى ضغط عالٍ أو تبريد شديد، وكلاهما يستهلك طاقة. نقله يتطلب بنية تحتية خاصة، وخطوط أنابيب مختلفة عن تلك المستخدمة للغاز الطبيعي. وحتى اليوم، لا تزال تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر مرتفعة مقارنة بالهيدروجين التقليدي أو الوقود الأحفوري، ما يجعل انتشاره الواسع تحديًا اقتصاديًا قبل أن يكون تقنيًا.
وهنا تبرز نقطة أعمق غالبًا ما تُغفل في النقاش العام: الهيدروجين ليس مجرد مسألة طاقة، بل مسألة نظام متكامل. فهو يرتبط بالمياه، بالكهرباء، بالمدن، وبأنماط الاستهلاك نفسها. إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج مياه، والمياه في كثير من المناطق مورد نادر. كما يحتاج كهرباء متجددة فائضة، وتخطيطًا طويل الأمد يوازن بين الأمن المائي والأمن الطاقي. وهذا يفرض سؤالًا أكبر: هل نبني منظومة متكاملة ذكية، أم نضيف تقنية جديدة إلى نظام قديم مختل؟ الهيدروجين يكشف هشاشة التخطيط القائم على الحلول الجزئية، ويجبرنا على التفكير بمنطق الترابط: طاقة، ماء، صناعة، ونمط حياة. من دون هذا الترابط، قد يتحول من فرصة تحول حقيقي إلى عبء جديد يُدار بنفس العقلية السابقة.
هذا يعني أن التحول نحو اقتصاد الهيدروجين لا يتطلب فقط تقنيات جديدة، بل يتطلب تغييرًا في طريقة التخطيط، وفي سياسات الدعم الحكومي، وفي استثمارات طويلة الأمد لا تبحث عن نتائج سريعة. كما يتطلب تغييرًا في ثقافة الاستهلاك نفسها. فالهيدروجين، مهما كان نظيفًا، لن يكون حلًا سحريًا إذا استمررنا في استهلاك الطاقة بلا وعي.
الهيدروجين في جوهره ليس مجرد وقود. هو اختبار حقيقي لقدرتنا على التغيير. اختبار لمدى استعدادنا للانتقال من نظام طاقة يقوم على الاستخراج السريع والربح القصير، إلى نظام أكثر توازنًا، يحترم حدود الكوكب، ويفكّر في الأجيال القادمة. السؤال لم يعد: هل نملك التقنية؟ بل: هل نملك الإرادة؟
إذا فهمنا الهيدروجين بهذا العمق، يمكن أن يكون أكثر من مصدر طاقة. يمكن أن يكون نقطة تحوّل في علاقتنا مع الطبيعة، وصفحة جديدة نكتبها بوعي، لا بردّة فعل. أما إذا تعاملنا معه كحل تجميلي، فسنضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الفرص التي أضعناها.
الهيدروجين عنصر بسيط، لكنه يضع أمامنا سؤالًا كبيرًا:
هل نغيّر المنتج فقط… أم نغيّر النظام كله؟

