بصمة خضراء… حكاية الكربون ١/٤

الكربون – العنصر الذي بنى الحياة. الكربون هو أحد العناصر الأساسية في الطبيعة، ورمز لحياةٍ معقّدة تربط بين الإنسان، والمادة، والمناخ. يُرمز له كيميائيًا بالحرف «C» ويُعدّ العنصر الرابع من حيث الوفرة في الكون بعد الهيدروجين، والهيليوم، والأوكسجين. عنصر بسيط في شكله الذرّي، لكنه حاضر في كل ما نلمسه تقريبًا: في أجسادنا، وفي غذائنا، وفي الهواء الذي نتنفسه، وحتى في الصخور التي نظنّها جامدة وصامتة. لسنوات طويلة، عاش الكربون في توازنٍ طبيعي هادئ، ينتقل بين السماء، والأرض، والمحيطات، والكائنات الحية دون ضجيج أو أزمة. لكن المشكلة لم تبدأ من الكربون نفسه، بل من علاقتنا به. حين تحوّل من عنصرٍ طبيعي إلى وقودٍ لنمط حياةٍ متسارع، استُخرج بكثافة، وأُحرق بلا حساب، واختلّ التوازن الذي حافظت عليه الطبيعة لملايين السنين. اليوم، لم يعد الكربون مجرد عنصر كيميائي، بل أصبح عنوانًا لأزمة مناخية عالمية، ومصدر قلق بيئي، ورقمًا في تقارير الانبعاثات. المشكلة الحقيقية ليست وجود الكربون، بل الإفراط في تحريره من مخازنه الطبيعية، دون فهمٍ كامل لعواقب ذلك على المناخ، والأنظمة البيئية، ومستقبل الحياة على الأرض.

carbon is the element of life

لفهم هذه الأزمة، نحتاج أولًا إلى تبسيط فكرة «دورة الكربون». الكربون مكوّن رئيسي في جميع الكائنات الحية، ويدخل في تركيب البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات، والحمض النووي .(DNA) كما يوجد في الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون (CO₂) وفي التربة كمادة عضوية، وفي المحيطات كمركبات ذائبة. دورة الكربون هي العملية الطبيعية التي يُعاد فيها تدوير هذا العنصر بين الهواء، والماء، والتربة، والكائنات الحية. النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو خلال عملية التمثيل الضوئي، وتحوله إلى غذاء وطاقة. الحيوانات والإنسان يستهلكون هذا الغذاء، وعند التنفس أو التحلل، يعود الكربون مجددًا إلى الغلاف الجوي أو التربة. هذه الدورة كانت تعمل بتناغم دقيق، أشبه بتنفسٍ جماعي للكوكب. المشكلة بدأت حين أضفنا كربونًا «قديمًا» إلى الدورة؛ كربونًا كان مخزنًا في باطن الأرض منذ ملايين السنين على شكل نفط، وفحم، وغاز. بإحراقه خلال عقود قليلة، ضُخّت كميات هائلة من الكربون في الجو، أسرع بكثير مما تستطيع الطبيعة استيعابه أو إعادة تدويره.

في واقعنا اليوم، يظهر أثر هذا الخلل بوضوح. الوقود الأحفوري لا يزال المصدر الأساسي للطاقة في معظم دول العالم، ومع كل عملية حرق، يتحرر ثاني أكسيد الكربون، وهو غاز دفيء يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري. ارتفاع درجات الحرارة، تغيّر أنماط الأمطار، ذوبان الجليد، وازدياد الظواهر المناخية المتطرفة، كلها نتائج مباشرة لتراكم الكربون في الغلاف الجوي. هنا ظهر مصطلح «البصمة الكربونية» لوصف كمية الانبعاثات الناتجة عن نشاط معين، سواء كان فرديًا، أو صناعيًا، أو وطنيًا. مع تطور مفاهيم التنمية المستدامة، أصبح للكربون بعدٌ اقتصادي أيضًا. بدأت الدول والشركات في قياس انبعاثاتها، وتحسين كفاءة الطاقة، والانتقال إلى مصادر متجددة مثل الشمس والرياح. كما ظهرت تقنيات التقاط الكربون وتخزينه، وأسواق لتجارة الكربون، حيث يُباع ويُشترى «حق التلوث» ضمن أطر تنظيمية تهدف نظريًا إلى خفض الانبعاثات. لكن الواقع يثبت أن الحلول التقنية والاقتصادية وحدها لا تكفي، إذا لم يُرافقها تغيير حقيقي في أنماط الإنتاج والاستهلاك.

الكربون ليس عدوًا بطبيعته، ولم يكن يومًا كذلك. هو عنصر الحياة، والأساس الذي بُنيت عليه الكائنات، والحلقة التي تربط بين الطبيعة والإنسان. ما نواجهه اليوم ليس «أزمة كربون»، بل أزمة فهم واختلال توازن. الحل لا يكون في محاربة الكربون أو التخلص منه، بل في إعادة ضبط علاقتنا به. أن نفهم حدوده، ونحترم دورته الطبيعية، ونتعامل معه بوعي لا بجشع. تقليل الانبعاثات ليس مجرد التزام سياسي أو هدف رقمي، بل خيار أخلاقي يعكس إدراكنا لمسؤوليتنا تجاه الكوكب والأجيال القادمة. حين ندرك أن كل قرار استهلاكي، وكل كيلوواط طاقة، وكل منتج نستخدمه يحمل أثرًا كربونيًّا غير مرئي، يبدأ التغيير الحقيقي. ربما لا نستطيع إيقاف دورة الكربون، ولا يجب علينا ذلك، لكننا نستطيع أن نعيدها إلى إيقاعها الطبيعي. أن يبقى الكربون عنصرًا للحياة، لا عبئًا عليها. تلك هي جوهر الحكاية، وبداية الطريق نحو بصمةٍ أخف… وأكثر خضرة.

Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

About م. صقر خالد العنزي

المهندس صقر خالد العنزي مهندس مدني متخصص في الهندسة المستدامة، وهندسة إدارة التشييد، وهندسة المياه والصرف الصحي. حاصل على درجة بكالوريوس العلوم في الهندسة المدنية من «جامعة ألاباما» في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل حاليًا في وزارة الأشغال العامة بدولة الكويت كمشرف على محطات معالجة مياه الصرف الصحي. يُعد المهندس صقر محترفًا في إدارة المشاريع، ومعتمدًا في تطبيق كفاءة الطاقة. كما أنه كاتب عمود في جريدة «الجريدة» الكويتية، وناشط في مجال الاستدامة، ومؤسس وكاتب نشرة «بصمة خضراء». تشمل اهتماماته التنمية المستدامة، المدن الذكية، الاقتصاد الدائري، إدارة النفايات، التحول الطاقي، تغيّر المناخ، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة بالاستدامة.

Share your Thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.