موارد الطاقة الحيوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

 

اقتضى الارتفاع الملحوظ الذي شهدته أسعار النفط في الماضي القريب، والاضطرابات التي نجمت عنه في سوق الطاقة، من العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لاسيما غير المنتجة للنفط منها، البحث عن مصادر جديدة للطاقة لأسباب اقتصادية وبيئية معاً. ومن جهة أخرى، باتت الطاقة المتجددة تحظى باهتمام عالمي متزايد، نظراً لدورها في الحد من التغيرات المناخية، ودفع عجلة التنمية المستدامة في البلدان النامية، وتعزيز أمن وتوفير الطاقة.

وتضم قائمة البلدان المنتجة للمخلفات العضوية في الشرق الأوسط وأفريقيا، كلاً من السودان، ومصر، والجزائر، واليمن، والعراق، وسوريا، والأردن، حيث اعتادت المناطق الريفية في هذه المنطقة استخدام الطاقة الحيوية بشكل واسع في الاستخدامات المنزلية. ونظراً لكون معظم أجزاء المنطقة تتمتع بمناخ جاف/ شبه جاف، فإن موارد الطاقة الحيوية المحتملة تأتي بشكل أساسي من المخلفات الصلبة في المدن، والفضلات الزراعية، والمخلفات الزراعية الصناعية.

والمخلفات العضوية هي تلك الناتجة عن النباتات التي تعتمد على أشعة الشمس في نموها، إضافة إلى مخلفات الحيوانات، والبقايا الناجمة عن الأنشطة الزراعية والحراجية، والصناعات العضوية والمخلفات البشرية والحيوانية. وفي حال ترك هذه المواد وسط عوامل البيئة الطبيعية، فإنها تتحلل خلال فترة طويلة من الزمن، لينطلق منها غاز ثاني أكسيد الكربون ومخزون الطاقة الذي تحتويه ببطء، على عكس عملية الحرق التي تؤدي إلى إطلاق مخزون الطاقة بسرعة وبطريقة مفيدة

غالباً، حيث أن تحويل هذه المخلفات إلى طاقة مفيدة يحاكي عملية التحلل الطبيعية، ولكنه أسرع منها وأكثر فائدة.

تقنيات تحويل المخلفات العضوية

هناك طيف واسع من التقنيات التي من شأنها أن تحقق إمكانية تحويل النفايات العضوية إلى مصدر للطاقة، وتتنوع بين الأنظمة البسيطة للتخلص من النفايات الجافة، والتقنيات الأكثر تعقيداً لمعالجة الكميات الكبيرة من النفايات الصناعية. وبالإمكان تحويل المخلفات العضوية إلى طاقة عبر عملية احتراق بسيطة، حيث يتم حرقها مع أنواع الوقود الأخرى، أو من خلال عملية وسيطة مثل التحويل إلى غاز. ويمكن استخدام الطاقة الناتجة كمصدر للكهرباء أو الحرارة، أو كلاهما معاً. ومن أهم مزايا استخدام الحرارة كمصدر أو بديل للطاقة الكهربائية، التطور الملموس في كفاءة التحويل، حيث أن توليد الطاقة يوفر كفاءة قياسية تقارب 30%، بينما يوفر استخدام الحرارة كفاءة تتجاوز 85%.

ويمكن للعمليات الكيميائية الحيوية، مثل المعالجة الفراغية، أن تنتج أيضاً طاقة نظيفة على شكل غاز حيوي قابل للتحويل إلى طاقة وحرارة باستخدام محرك يعمل بالغاز. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن إنتاج الوقود السائل من النفايات، مثل "الايثانول السليلوزي" و "الديزل الحيوي"، والتي يمكن الاستعاضة بها عن الوقود المشتق من البترول. وتبرز حالياً نفايات الأشنيات (الطحالب) العضوية كمصدر جيد للطاقة، حيث أنها تعد بمثابة مصدر طبيعي للزيوت، والتي يمكن للمصافي التقليدية تحويله إلى وقود للطائرات أو وقود الديزل.

وتعكس وفرة وتنوع الخيارات التقنية لتحويل المخلفات العضوية، قابلية تطبيقها على نطاق محلي ضيق من أجل توفير الحرارة بشكل أساسي، أو استخدامها على نطاق أوسع لتوليد الطاقة والحرارة في وقت معاً. وبالتالي، يمكن تصميم عملية توليد الطاقة الحيوية بشكل يناسب المجتمعات الريفية أو المدنية، والاستفادة منها في التطبيقات الصناعية المحلية أو التجارية.

أصناف النفايات العضوية الرئيسية

توفر مشاريع الطاقة الحيوية فرصاً متميزة للأعمال، والعديد من المنافع البيئية، وتلعب دوراً كبيراً في تنمية الأرياف، حيث يمكن الحصول على المواد الحيوية الخام من مجموعة واسعة من الموارد، دون تعريض الطعام وموارد التغذية والغابات والتنوع الحيوي في العالم إلى الخطر.

النفايات البلدية الصلبة

تمثل النفايات البلدية الصلبة أفضل مصدر للمواد العضوية في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أن معدلات النمو السكاني المرتفعة، والعمران والتوسع الاقتصادي في المنطقة باتت تسرّع من معدلات الاستهلاك وطرح المخلفات العضوية في الوقت نفسه. وتصنف البحرين والسعودية والإمارات وقطر والكويت من ضمن البلدان العشرة الأولى في معدل إنتاج النفايات للفرد الواحد، حيث يقدر إنتاج البلدان العربية من النفايات بأكثر من 80 مليون طن سنوياً. وتعد المكبات المفتوحة أكثر طريقة سائدة في التخلص من النفايات البلدية الصلبة في معظم البلدان.

وتحتوي هذه النفايات على نسبة عالية نسبياً من المواد العضوية، في حين يعد الورق والزجاج والبلاستيك والمعادن مواداً أقل عضوية. وتمثل العناصر العضوية مصدراً لمواد التسميد المستخدمة في تحسين خصائص التربة، ويمكن استخدامها أيضاً لتوليد الكهرباء من غاز الميثان في حال تم فرزها وتكريرها بشكل صحيح، كما يمكن تحويل النفايات الصلبة إلى طاقة ووقود بواسطة التقنيات الحرارية المتطورة، مثل التسييل إلى غاز والتحليل بالحرارة. وفي واقع الأمر، تحظى تقنية استرجاع الطاقة من هذه النفايات بتقدير متزايد حول العالم، بوصفها التقنية الرابعة في نظام إدارة النفايات المستدام المؤلف من: إعادة الاستخدام، تقليص الكمية، التكرير، والاستعادة.

البقايا الزراعية

تلعب الزراعة دوراً هاماً في اقتصادات معظم بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتفاوت نسبة مساهمة قطاع الزراعة في الاقتصاد الإجمالي بين بلد وآخر، فعلى سبيل المثال تساهم الزراعة في اقتصاد الأردن بنسبة 3%، بينما ترتفع إلى 66% في الصومال. وتشهد عمليات الري الواسعة انتشاراً ملحوظاً في المنطقة، مما يتيح إنتاجاً وفيراً من المحاصيل عالية القيمة النقدية والتصديرية، بما فيها الفواكه والخضار والحبوب والسكر.

وتشتمل بقايا المحاصيل على كافة المخلفات الزراعية مثل البقاس، والقش، والساق والأوراق، والقشور، والغلاف، واللب، وجذامة النبات. ويعد القمح محصولاً رئيسياً مستقراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويتم سنوياً إنتاج كميات كبيرة من بقايا المحاصيل سنوياً، بيد أنه لا يتم الانتفاع منها بشكل حقيقي، حيث أن طرق الزراعة الحالية تعمد عادة إلى حرث هذه البقايا مع التربة، أو حرقها، أو تركها لتتحلل، أو علفاً للمواشي. ويمكن تحويل هذه البقايا إلى وقود سائل أو معالجتها حرارياً لتوليد الطاقة والحرارة في المناطق الريفية.

ويمكن زراعة محاصيل توليد الطاقة مثل أشجار "جاتروفا" في المناطق الجافة للحصول على الديزل الحيوي. وتزرع هذه الأشجار حالياً على نطاق محدود في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي توفر فرصة هائلة يجدر استغلالها من أجل الاستثمار التجاري لهذه المحاصيل الهامة.

النفايات الصناعية

ينتج قطاع الأغذية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كميات كبيرة من المخلفات العضوية والمنتجات التي يمكن استخدامها كمصادر للطاقة الحيوية. وخلال العقود الأخيرة، ازدادت أهمية قطاع معالجة الأغذية والمشروبات متسارع النمو، بشكل ملحوظ في البلدان الكبرى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومنذ أوائل التسعينات، ساهم الإنتاج الزراعي المتزايد في تشجيع عمليات تعليب الفواكه والخضراوات والعصائر والخضراوات، ومعالجة الزيت في دول مثل  مصر وسوريا والمغرب وتونس ولبنان والمملكة العربية السعودية. وهناك العديد من مصانع إنتاج مشتقات الحليب، والخبز، ومعالجة الزيوت، المتقدمة تكنولوجياً في المنطقة.

وتشمل النفايات الصلبة القشور وبقايا الخضراوات والفواكه، والمواد الغذائية التي لا تستوفي معايير مراقبة الجودة، ولب الورق، ولب وألياف قصب السكر والنشا المستخرج، والحمأة الناتجة عن المرشحات، ورواسب القهوة. وتنشأ النفايات السائلة نتيجة غسل اللحوم والفواكه والخضراوات، وتبييض الفواكه والخضراوات، وعمليات تنظيف وتجهيز اللحوم والدواجن والأسماك قبل طهيها، إضافة إلى عمليات صنع النبيذ.   

ومن الممكن إجراء عملية هضم لا هوائي لهذه النفايات الصناعية وإنتاج الغاز الحيوي، أو تخميرها لإنتاج الإيثانول، وهناك العديد من الأمثلة التجارية على عمليات تحويل النفايات إلى طاقة.

   
مخلفات الحيوانات    

هناك طائفة واسعة من النفايات الحيوانية التي يمكن استخدامها كمصادر لطاقة الكتلة الحيوية. ويعتبر سماد مخلفات الحيوانات والدواجن، أحد المصادر الأكثر شيوعا. ويتمثل الأسلوب الأكثر جاذبية لتحويل هذه النفايات إلى شكل مفيد، في عملية الهضم اللاهوائي التي ينتج عنها الغاز الحيوي، والذي يمكن استخدامه كوقود لمحركات الاحتراق الداخلي، وتوليد الكهرباء من توربينات الغاز الصغيرة، وحرقه مباشرة لأغراض الطهي، أو التدفئة، وتسخين المياه.

تتمتع دول الشرق الأوسط بثروة حيوانية كبيرة. ويلعب قطاع الماشية، خاصة الأغنام والماعز، دوراً هاماً في الاقتصاد الوطني لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتستورد دول المنطقة سنوياً ملايين الحيوانات المجترة الحية من مختلف أنحاء العالم. ويمكن تسخير إمكانية تحويل روث الحيوانات إلى غاز حيوي، وعلى نطاق المجتمع.   

مخلفات الغابات

تتميز منطقة الشرق الأوسط بندرة الغابات والتي تشكل ما يزيد على 5 ٪ تقريباً من اليابسة. وتنشأ مخلفات الغابات نتيجة عمليات خف النباتات وقطع الأشجار لشق طرق نقل الأخشاب، واستخراج جذوع الأشجار للحصول على اللب والأخشاب، إلى جانب تناقص الأشجار نتيجة الظروف الطبيعية. وعادة ما تكون كثافة مخلفات الغابات منخفضة، كما أن الوقود الناتج عنها يكون منخفض القيمة، الأمر الذي يحافظ على ارتفاع تكاليف النقل، وبالتالي فإنه من المجدي اقتصادياً التخفيف من كثافة الكتلة الحيوية في الغابة نفسها.

   
الخاتمة  

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أهبة الاستعداد لتطوير طاقة الكتلة الحيوية، بفضل ما لديها من موارد الكتلة الحيوية على شكل مخلفات بلدية صلبة، ومخلفات المحاصيل الزراعية، والمخلفات الصناعية والزراعية. وقد ساهم تطبيق تقنيات متقدمة في مجال تحويل النفايات إلى طاقة، كوسيلة من وسائل التخلص الآمن من نفايات الكتلة الحيوية الصلبة والسائلة، وبوصفها خيارا جذابا لتوليد الحرارة والكهرباء والوقود، بشكل كبير في تخفيض الآثار البيئية التي تسببها مجموعة واسعة من النفايات. ويعتبر الانتقال من نظم الطاقة التقليدية إلى نظم تقوم على الموارد المتجددة، أمراً ضرورياً لتلبية الطلب المتزايد باستمرار على الطاقة، ومعالجة القضايا البيئية، وتعزيز التنمية المستدامة.

 

Republished by Blog Post Promoter

You May Also Like

About Salman Zafar

Salman Zafar is the Founder of EcoMENA, and an international consultant, advisor, ecopreneur and journalist with expertise in waste management, waste-to-energy, renewable energy, environment protection and sustainable development. His geographical areas of focus include Middle East, Africa, Asia and Europe. Salman has successfully accomplished a wide range of projects in the areas of biomass energy, biogas, waste-to-energy, recycling and waste management. He has participated in numerous conferences and workshops as chairman, session chair, keynote speaker and panelist. Salman is the Editor-in-Chief of EcoMENA, and is a professional environmental writer with more than 300 popular articles to his credit. He is proactively engaged in creating mass awareness on renewable energy, waste management and environmental sustainability in different parts of the world. Salman Zafar can be reached at salman@ecomena.org or salman@bioenergyconsult.com
Tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Share your Views