بالغالب عندما نقوم بمناقشة التغير المناخي، نقوم بمناقشة مجزأة، حيث نصوّر الطاقة كأداة للتخفيف من آثار هذا التغير وننظر للتكيف على أنه وسيلة للسيطرة على الأضرار الحاصلة، ونقوم باختزال الكربون لمقياس وحيد للانبعاثات. وبالرغم من ان هذه المقاربات ساهمت في تنظيم العمل المناخي عالمياً، إلا أنها تقف عاجزة أمام التسارع الذي يواجه العالم بآثار تغير المناخ ومخاطره وتحديات الموارد المرتبطة به. لا تنقصنا التكنولوجيا أو الطموح، بل التكامل. فالتغير المناخي ليس مجرد مشكلة طاقة، ولا انبعاثات فقط، بل هو تحدٍ لكيفية إدارة الكربون ويمتد هذا التحدي عبر أنظمة الطاقة والنظم البيئية وموارد المياه، والامن الغذائي، والمرونة الاجتماعية، وكذلك الاقتصادية. ولتتم معالجة هذا التعقيد، فإن هنالك حاجة لتطوير مفهوم جديد، وهنا بهذه المقالة فإننا نقدم (كاربونيفا) كإطار عمل موحد لدمج الطاقة مع تخفيف الكربون والتكيف للتصدي لآثار التغير المناخي في نظام واحد متطور من شأنه تحقيق مرونة مناخية طويلة الأجل وخلق تنمية مستدامة.
من تجزئة العمل المناخي إلى التفكير المنهجي
تم تنظيم استراتيجيات المناخ لعقود طويلة بمسارات خطية؛ تقليل الانبعاثات، وتثبيت درجات الحرارة، والتكيف مع الآثار المتبقية. تم تنفيذ هذه المسارات عن طريق سياسات قطاعية تعمل كلٌ على حدا من الناحية العملية، لأنه من النادر أن تُراعى مرونة النظم البيئية مع تخطيط الطاقة وفي الكثير من الأحيان تتجاهل استراتيجيات التكيف الآثار الكربونية. وفي بعض الاحيان تزيد الجهود المبذولة للتخفيف من حدة التدهور المائي، وتدهور الأراضي وحتى الهشاشة الاجتماعية. وبنفس الوقت، لم تعد آثار المناخ مجرد توقعات بعيدة، فإننا بالفعل نشهد موجات الحر والجفاف والفيضانات وندرة المياه وهي تعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات، خاصة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وتؤثر هذه الاثار بشكل مباشر على استراتيجيات التخفيف وعلى أدائها واستدامتها كذلك. ومن هنا وُلد مشروع كاربونيفا ليس كتقنية جديدة أو بديلة لأطر المناخ الحالية، بل هو تطور لمفهوم يعترف ويؤكد بأن العمل المناخي هو نظام حيوي متكامل وليس مجرد مجموعة من الأهداف المنفصلة.
ما هي كاربونيفا؟
يرمز هذا المصطلح إلى الكربون والطاقة والتكيف، وقد تمت صياغته بكلمة واحدة عمداً ليعبّر عن إجراءات تغيير لثلاث أفكار رئيسية وليس قائمة من الإجراءات. أولاً، يجب أن نفهم ان الكربون هو عنصر حيوي مشترك بين النظم الطبيعية والانسان، وإنه ليس مجرد انبعاثات من الواجب تقليلها. ثانياً: تعتبر الطاقة المتجددة محركاً أساسياً للتخفيف والتكيف، لإنها تؤثر على الأمن المائي، والنظم الغذائية والقدرة على المقاومة.
ثالثاً: إن التكيف والتخفيف يعتبران عمليتان متكاملتان وليس أولويات متنافسة، لا بل على العكس، فهما يجب أن تتطورا معاً. وبهذا وحسب نظام الكاربونيفا فإن التغير المناخي لا يجب أن يتمحور حول تخفيف الكربون والقدرة على المقاومة، وإنما يدور حول تصميم أنظمة لتمكين تخفيف الكربون على تعزيز القدرة على المقاومة، وتُمكّن القدرة على تخفيف الكربون بشكل أعمق.
الكربون يتجاوز الانبعاثات
يعتبر الكربون عنصراً رئيسياً في تغير المناخ، ومع ذلك فإنه غالباً ما يُهمّش دوره. وهنا نرى بأن السياسات المناخية قامت بالتركيز بشكل أساسي على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الاحفوري، وهذا أمراً ضرورياً، ولكن الكربون يوجد كذلك مُخزّناً في التربة والغابات والمحيطات والأراضي الرطبة وحتى البُنية التحتية. وهذه المخزونات تعمل على تنظيم المناخ وتسهم في دعم النظم البيئية وتعزز كذلك من سبل العيش. يوسّع نموذج نطاق مفهوم الكربون بإقرارهِ أن الكربون المُتَجنب عن طريق استخدام الطاقة المتجددة، والكربون المخزّن في النظم البيئية والمواد، والكربون المعاد تدويره في الاقتصادات الدائرية، وكذلك المصارف الطبيعية للكربون، تشكّل جميعها عناصر ذات دور فعّال في استقرار المناخ. ومن هذا المنطلق، تصبح إدارة الكربون مسألة تحديد مكان وجوده، كيفية تدفقه، وكيف ستكون قدرته على دعم التكيف. تُساهم النظم البيئية الصحية بعزل الكربون مع التخفيف من حدّة الظواهر المناخية المتطرفة، وتقوم التربة الزراعية المرنة بتخزين الكربون مع تحسين الأمن الغذائي، وتقوم أنظمة المواد الدائرية بتقليل الانبعاثات بالإضافة لخفض هشاشة الموارد، وبذلك يصبح الكربون عاملا رابطاً وليس مقسمّاً.
الطاقة المتجددة كعامل تمكين للمرونة
تلعب الطاقة المتجددة دورًا محوريًا في مشروع كاربونيفا، لكن أهميتها تتجاوز بكثير مجرد خفض الانبعاثات. فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من أنظمة الطاقة المتجددة تقلل الاعتماد على أسواق الوقود المتقلبة، وتعزز سيادة الطاقة وتتيح بنية تحتية لامركزية. وفي المناطق التي تعاني من ندرة المياه، يمكن لتحلية المياه وإعادة استخدامها باستخدام الطاقة المتجددة أن تعزز القدرة علىالتكيف. وفي المناطق الريفية كذلك، تدعم مصادر الطاقة المتجددة الزراعة وتخزين الطاقة وسلاسل القيمة المقاومة لتغير المناخ. وفي إطار مشروع كاربونيفا، لا تُقيَّم أنظمة الطاقة المتجددة بناءً على كثافة انبعاثات الكربون فحسب، بل أيضًا بناءً على تفاعلاتها النظامية مع المياه والأراضي والنظم البيئية والمجتمعات ويصبح تخطيط الطاقة تخطيطًا متكاملًا، يربط أهداف المناخ بأولويات التنمية واحتياجات المرونة. ويُعد هذا النهج المتكامل ذا أهمية خاصة في المناطق التي تواجه مخاطراً مركبة، حيث يتقاطع تغير المناخ مع ندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي والضغط الديموغرافي.
دمج التكيف والتخفيف
من ضمن التحديات المستمرة في سياسات المناخ، فإن الفصل المصطنع بين التخفيف والتكيف يعتبر من أبرزها. وهنا تعمل كاربونيفا على تقليل هذا التحدي من خلال اعتبارهما عنصرين مترابطين تحت نظام واحد. تؤثر آثار تغير المناخ على أنظمة الطاقة من خلال الإجهاد الحراري، وتوافر المياه، والظواهر المناخية المتطرفة. وفي ذات الوقت، فإن خيارات التخفيف تقوم بتشكيل القدرة على التكيف من خلال التأثير على النظم البيئية، والبنية التحتية، والعدالة الاجتماعية. وتجاهل مثل هذه التفاعلات يؤدي الى سوء التكيف وضياع الفرص. لذلك، تُركّز كاربونيفا على التغذية الراجعة بدلاً من المسارات الكتابية. يقوم خفض الانبعاثات بإبطاء آثار تغير المناخ، وبالتالي تقليل الضغط على النظم البيئية والبنية التحتية. تقوم النظم البيئية الأقوى على عزل الكربون وتثبت الدورة المائية. وبالتالي تحسين المرونة المجتمعية باتباع مسارات تخفيف ذات طموح أعلى مما يُعزّز العمل المناخي ليصبح حلقة وصل داعمة بدل من كونه مفاضلة بين أمرين.
لماذا تُعدّ كاربونيفا مهمة بالنسبة للجنوب العالمي
على الرغم من أهمية نموذج كاربونيفا على مستوى العالم، إلا أن قيمته تبرز بشكل خاص في المناطق المعرضة لتغير المناخ، مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي هذه المناطق، يُهدد تغير المناخ الأمن المائي، وإنتاج الغذاء والاستقرار الاقتصادي، مما يجعل التكيف أولوية ملحّة، يقدم كاربونيفا بديلاً لنماذج المناخ التي تُعطي الأولوية لأهداف خفض الانبعاثات دون معالجة مواطن الضعف المحلية ومن خلال دمج التخفيف ضمن أهداف التكيف والتنمية، فإن كاربونيفا يدعم استراتيجيات مناخية تتسم بالمسؤولية العالمية والجدوى المحلية. وبالنسبة للدول التي تواجه الجفاف والإجهاد المائي وتحولات الطاقة في آن واحد، فإنكاربونيفا يوفر رؤية متكاملة تربط بين نشر الطاقة المتجددة وبناء القدرة على المقاومة وإدارة الكربون.
نحو تنمية إيجابية للمناخ
في نهاية المطاف، يُغيّر نموذج كاربونيفا طموح العمل المناخي، فبدلاً من الاقتصار على تحقيق نتائج “منخفضة الكربون” أو “صافي انبعاثات صفرية”، فأنهيفتح المجال أمام أنظمة المناخ الايجابية لتُحسّن بشكل فعّال القدرة على الصمود، وتُعيد تأهيل النظم البيئية، وتُثبّت دورات الكربون. ولهذا التحوّل آثارٌ على تصميم السياسات، وأولويات الاستثمار والحوكمة. فهو يدعو إلى تكامل للمؤسسات، وتخطيط شامل للقطاعات، ومؤشرات تُراعي القدرة على الصمود والفوائد المشتركة إلى جانب الانبعاثات. كما يدعو إلى مناهج شاملة تربط العمل المناخي بسبل العيش والعدل والاستدامة طويلة الأجل. في عالم لم تعد فيه المخاطر المناخية مجردة، يُقدّم نموذج كاربونيفا إطاراً موحداً للتعامل مع التعقيدات وتوجيه الانتقال نحو مجتمعات مرنة، ومنخفضة الكربون، وقادرة على التكيف.
ترجمة: ماجدة هلسه
أردنية متعددة الإهتمامات، لديها من الخبرة ما يقارب السبعة وعشرون عاماً في مجال المالية والإدارة في المؤسسات المحلية والدولية، وتعمل ماجدة حالياً مع التعاون الدولي الالماني كموظفة مالية. ومع ذلك كله وعلى الصعيد التطوعي، فإن لديها شغفاً كبيراً بالترجمة في كافة المواضيع والمجالات، وقد بُني هذا الشغف بالخبرة الشخصية والعملية على مدى هذه السنين.
Note: The original English version of the article is available at this link.
