العوامل النفسية والاجتماعية المؤثرة في السلوك البيئي

يميل بعض الأفراد إلى التفسير القائم على الحتمية الدينية؛ إذ يُنظر إلى الكوارث البيئية باعتبارها أمورًا مقدّرة سلفًا لأن الله خلق الأرض، مما يقلّل من الشعور بالقلق أو المسؤولية. هذا الموقف قد يشكّل غطاءً مريحًا رغم أن العديد من التقاليد الدينية تؤكد بوضوح على مسؤولية الإنسان في إدارة الخليقة. في المقابل، يرى آخرون أن المشكلات البيئية بعيدة عنهم جغرافيًا أو اجتماعيًا أو زمنيًا  وبالتالي لا تُدرك كتهديد عاجل، مما يضعف الدافع نحو الفعل. هنا يظهر أثر “المسافة النفسية” كما تصفها نظرية مستويات التصور (Construal Level Theory): كلما بدا التهديد بعيدًا في الزمن أو المكان أو الصلة الاجتماعية، أصبح أكثر تجريدًا وأقل قدرة على تحفيز السلوك.

environmental psychology

تتأثر مجموعات أخرى بقوة بالمعايير الاجتماعية وبظاهرة “الإجماع الزائف”: إذ يعتقد الفرد أن “الجميع يقودون السيارات ولا يفرزون النفايات ولا يعطون الأولوية للبيئة”، مما يكرّس الوضع القائم. ويعزّز ذلك نفسيًا ميلنا إلى البحث عن تأكيد من أشخاص يشبهوننا في السلوك. في الوقت نفسه، فإن المشكلات البيئية هي في جوهرها نتيجة تراكمية لأفعال بشرية: الإفراط في استغلال الموارد، والاستخدام المكثف للطاقة، والتلوث، وهي آثار طويلة الأمد قد تستغرق عقودًا أو قرونًا لإصلاحها. وعلى الجانب الآخر، هناك ناشطون بيئيون وحركات تتحمل مخاطر شخصية في سبيل تحقيق نظام اجتماعي أكثر صداقة للبيئة. والسؤال المطروح: ما الذي يدفع السلوك البيئي الإيجابي؟ وما هي الحواجز التي تمنع الأفراد من الفعل أو الانخراط؟

تتشكل القيم الإنسانية في وقت مبكر وتتأثر بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها الفرد. هذه القيم تؤسس للمواقف والدوافع والعادات التي تتكرر حتى تصبح تلقائية، مما يجعل تغييرها صعبًا، خاصة إذا ارتبطت بالراحة أو الهوية أو الانتماء الاجتماعي. تظهر نافذة مهمة للتغيير عند التحولات الحياتية – كالانتقال أو تغيير العمل أو الإنجاب – حيث تكون العادات أكثر هشاشة، مما يجعل التدخلات فعّالة إذا تزامنت مع هذه المراحل. ولإحداث تغيير في القيم والسلوك، يجب فهم قوة هذه القيم: فالقيم الراسخة تحتاج إلى مكاسب واضحة أو تقليل التضحيات لتتغير، بينما يمكن التأثير في القيم الأضعف بحوافز أقل. وهذا يتطلب تعويضًا ذا معنى يحل محل الفوائد التي يراها الفرد في سلوكه الحالي.

تصف نظرية “القيمة–الاعتقاد–المعيار” (VBN) كيف تنشّط القيم المعتقدات (مثل الوعي بالعواقب وإسناد المسؤولية)، والتي بدورها تفعّل المعايير الشخصية التي تدفع نحو الفعل. عندما يدرك الفرد أن لأفعاله أثرًا حقيقيًا، تزداد احتمالية التصرف. ويمكن استحضار مفهوم “مأساة المشاع” كما وصفها غاريت هاردين، حيث يؤدي غياب التنظيم الفعّال إلى استنزاف الموارد المشتركة عندما يسعى كل طرف لتعظيم منفعته الخاصة. في هذا السياق، يصعب على الأفراد تصور أثر ضبط النفس الشخصي إذا بدا أن الآخرين يفرطون في الاستغلال. هنا تلعب العواطف والهوية دورًا حاسمًا: فالذنب والخجل والقلق قد يحفّز الفعل أو يؤدي إلى التجنب، بينما يعزز الأمل والفخر والإحساس بالمعنى القدرة على الاستمرار. وعندما يرتبط السلوك البيئي بالهوية – “أنا شخص يهتم بالبيئة” – ويولّد مشاعر إيجابية، تنشأ دافعية داخلية أكثر مقاومة من الدوافع الآلية.

ينطبق ذلك أيضًا على المستوى المؤسسي؛ فالمصانع التي تطلق ملوثات تسهم في تغيرات مناخية عالمية. المبدأ الأساسي هنا هو ضرورة “تحمّل التكاليف الخارجية” عبر إدماج الكلفة البيئية في الحسابات الاقتصادية. ومع ذلك، لا يمكن توقع طموحات مناخية متطابقة من دول تختلف جذريًا في قدراتها الاقتصادية. فالدول التي تكافح لتلبية الاحتياجات الأساسية لها خيارات محدودة مقارنة بالدول الغنية القادرة على الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة. عمليًا، غالبًا ما يكون البدء من “المصب” عبر تغييرات استهلاكية ملموسة أسهل وأقل تكلفة من معالجة مصادر الانبعاثات الكبرى. وعندما يشعر الأفراد أن أفعالهم ذات أثر، تتعزز لديهم السيطرة الداخلية، مما يدفع نحو مزيد من السلوك الإيجابي. في الوقت نفسه، يجب التعامل مع القلق المناخي الذي قد يحفّز البعض ويشلّ آخرين؛ إذ يمكن تحويله إلى طاقة بنّاءة عبر الدعم المجتمعي والأهداف المرحلية والتغذية الراجعة الواضحة.

توضح نظرية شوارز للقيم بعدين أساسيين: الانفتاح على التغيير مقابل المحافظة، وتجاوز الذات مقابل تحسين الذات. القيم التي تتجاوز الذات – كالاهتمام بالآخرين والطبيعة – ترتبط بقوة بالسلوك البيئي، بينما تميل قيم تحسين الذات إلى التركيز على المكاسب الشخصية. هذه البنية القيمية مستقرة نسبيًا عبر الثقافات، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير السلوك؛ إذ تحتاج إلى دعم من العادات والمعايير والشعور بالتحكم والحوافز.

الحواجز أمام السلوك البيئي واستراتيجيات تغييره مترابطة. تشير الدراسات إلى أن الأفراد يحتاجون لرؤية فوائد واضحة للتغيير – اقتصادية أو زمنية أو صحية – مع تقليل العقبات العملية. عندما تبدو الأفعال صعبة أو مكلفة، تنشط آليات دفاعية نفسية مثل الإنكار أو التقليل أو اللامبالاة. إدخال عادات جديدة يمثل تحديًا، خاصة عندما تكون الراحة أولوية. لذلك، يجب توفير بدائل عملية وميسورة، واستخدام أدوات مثل “التغذية الراجعة” و”الدفع السلوكي” (nudges) لتقليل الحواجز المعرفية والعملية.

تلعب المعايير الاجتماعية دورًا قويًا؛ إذ يجب أن تتوافق المعايير الوصفية (ما يفعله الآخرون) مع المعايير الإلزامية (ما ينبغي فعله). الرسائل الموجهة محليًا مثل: “أكثر من نصف سكان مدينتك يستخدمون الحافلة بدل السيارة – هل تنضم إليهم؟” يمكن أن تسهّل التغيير. أما التحذير من كوارث بعيدة فقد يثير المقاومة، بينما الربط الواضح بين الفعل والنتيجة يعزز الفعالية. حتى البيئة المادية تؤثر؛ إذ أظهرت دراسات أن انتهاك المعايير في الفضاء العام يزيد من السلوكيات السلبية الأخرى، مما يستدعي تدخلات سريعة وواضحة.

nature-based learning

تتطلب السياسات أدوات قوية وقبولًا شعبيًا. غالبًا ما يكون الدعم أقل قبل التطبيق، لكنه يرتفع بعد ظهور الفوائد الملموسة. ومع ذلك، يعتمد القبول على العدالة والشفافية والثقة بالمؤسسات. يجب أن يشعر الأفراد أن الجميع يساهم وأن العوائد تستخدم بشكل منصف، وإلا تتآكل المعايير ويشتد الرفض.

في النهاية، يتشكل السلوك البيئي عبر سلسلة تبدأ بالقيم وتنتقل إلى المواقف والوعي بالعواقب وإسناد المسؤولية والشعور بالتأثير، وصولًا إلى المعايير الشخصية والفعل. على طول هذه السلسلة، تعمل المعايير الاجتماعية والعادات والعواطف والهوية والدعم المؤسسي إما كمحفّزات أو كعوائق. المعرفة ضرورية لكنها غير كافية؛ إذ يتطلب الأمر تفاعلًا بين الدوافع النفسية والإطار المؤسسي لضمان أن تصبح الأفعال البيئية سهلة ومجزية ومقبولة اجتماعيًا، مما يحقق التحول المطلوب على مستوى الأفراد والمجتمعات

Tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

About Refka Shaheen

Refka Shaheen is an environmental science student with a strong interest and commitment to areas such as environmental psychology, waste management, urbanization, environmental law, circular economy, and sustainability. She is in her final year of the environmental science program at the University of Malmo (Sweden) and is also a climate ambassador

Share your Thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.