التعليم البيئي والتربية البيئية

على العكس من الأنماط التقليدية للتعليم، يعتبر التعليم البيئي (التربية البيئية) عملية تعليمية شمولية تمتد مدى الحياة, وهي عملية موجهة نحو خلق أفراد مسؤولين لإستكشاف وتحديد القضايا والمشاكل البيئية القائمة والمشاركة في حلها وإتخاذ إجراءات فعالة لتحسين أوضاع البيئة, والعمل على الحيلولة دون حدوث مشكلات بيئية جديدة. ونتيجة لذلك، فإنه يمكن للأفراد تطوير وعي أعمق وفهم أوسع للقضايا البيئية, بل ويمكن لهم إكتساب مهارات فعالة تساعدهم على إتخاذ قرارات واعية ومسؤولة وغير منحازة تؤول إلى حل التحديات البيئية.

لا يعتبر التعليم البيئي عملية إستشارات بيئية, ولكنه حقل متنوع يرتكز على العملية التعليمية والتي يجب أن تبقى محايدة من خلال تعليم الأفراد التفكير النقدي وتمكينهم وتعزيز مهاراتهم على إتخاذ القرار وقدرتهم على حل المشكلات بإتباع النهج التشاركي, ومن الجدير بالذكر أن المبادئ التوجيهية للتعليم البيئي تشمل الوعي والمعرفة والسلوكيات والمهارات والتشارك.

يمكن للتعليم البيئي أن يأخذ شكلاً رسمياً  كما في المدارس والكليات والجامعات، كما يمكن تطبيقه عن طريق قنوات التعلم غيرالرسمية من خلال المنظمات غيرالحكومية، والشركات، ووسائل الإعلام، والمتاحف الطبيعية, والحدائق النباتية، ومراكز مراقبة الطيور, ومراكز التجديف والغوص. إلى جانب ذلك، فإنه يمكن تطبيق التعليم البيئي من خلال برامج التعليم غير النظامي الذي يدمج التعليم مع العمل مثل التعليم التجريبي والتعليم في الهواء الطلق، وورش العمل، وبرامج التوعية وتثقيف المجتمع.

يجب على المربي البيئي تقديم التعليم البيئي بطريقة فريدة من نوعها حيث يقتضي الأمر أن لا يعتمد على العلم فحسب، بل يجب أن يهتم بالجوانب التاريخية والسياسية والثقافية تزامناً مع البعد الإنساني والعوامل الإجتماعية والإقتصادية,كما يستلزم أن يستند أيضاً إلى تطوير المعارف المتعلقة بالنظم البيئية الإجتماعية. يرتكز عمل المربين البيئين المؤهلين على العمل الميداني وتطبيق البرامج عملياً، كما يشمل عملهم التعاون مع المجتمعات المحلية وإستخدام إستراتيجيات لربط الوعي البيئي وبناء المهارات والأداء المسؤول, فمن خلال التعليم البيئي يمكن للمواطنين إختبار مختلف جوانب القضايا البيئية لإتخاذ قرارات مستنيرة وفعالة ومسؤولة وغير منحازة ومبنية على أساس علمي, حيث يوفر التعليم البيئي فرصاً للأطفال لبناء مهاراتهم بما في ذلك مهارات حل المشاكل والبحث والإستقصاء.

التعليم البيئي في الإسلام

يعتبر الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم, كما ينظم الإسلام العلاقة بين البشر والطبيعة حيث أنه يدعو إلى حمايتها من خلال عملية تربوية شاملة, إذ تعزز التعاليم الإسلامية الحساسية والشعور بالمسؤولية تجاه الحفاظ على العناصر البيئية المختلفة, كما يُعلم الإسلام أتباعه الحفاظ على نظافة الشوارع، والرفق بالحيوان والكائنات الحية الأخرى, فضلاً عن ذلك, تحض التشريعات الإسلامية على زراعة الأرض والإستفادة منها وعلى الحفاظ على مكونات البيئة في الوقت الذي تحظر تلوث المياه وقطع الأشجار. كما تعتبر تعاليم الإسلام تعاليماً صارمة لمنع التدهور البيئي الناجم عن التنمية الصناعية والتوسع العمراني والفقر إلى ما دون ذلك. إن كل ما ذكر هو أمثلة على تعليمات الإسلام للحفاظ على مكونات الطبيعة وهي تعاليم ريادية في الوقت الذي لم تكن تعاني البيئة آنذاك الضغوطات التي تعاني منها في الوقت الحاضر.

أنماط التعليم البيئي في الأردن

بالرغم من إهتمام الأردن في التعليم البيئي، إلا أن جهود التعليم البيئي الوطني لا تزال مركزة إلى حد كبير على البرامج التي تنظمها المنظمات غير الحكومية, إذ تلعب البرامج التي تطبقها منظمات المجتمع المدني دوراً أساسياً في تعزيز التغيير الثقافي لحماية الطبيعة, فعلى سبيل المثال، أصبحت الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية من المنظمات الوطنية غير الحكومية الرائدة في التعليم البيئي وهي المنظمة التي تمثل الأردن في المؤسسة العالمية للتعليم البيئي(FEE), حيث تنفذ الجمعية حالياً ثلاثة برامج والتي تتضمن: العنونة البيئية الدولية-المفتاح الأخضر، العلم الأزرق والمدارس البيئية. أما الجمعية الملكية لحماية الطبيعة فهي منظمة غير حكومية أخرى تعمل على تصميم وتطبيق برامج التعليم البيئي لتحسين الفهم الشعبي العام وتعزيز الوعي الحقيقي بالقضايا البيئية وأهميتها, ولقد أطلقت الجمعية عدداً من برامج التوعية المتخصصة التي تستهدف المجتمعات المحلية التي تعيش حول المحميات الطبيعية، لحث هذه المجتمعات على المشاركة والإنخراط في جهود حماية الطبيعة في المناطق المحيطة بهم .

يمكن للمواطنين المثقفين بيئياً  أن يلعبوا دوراً فعالاً في الحد من تأثير المشاكل البيئية عن طريق تبني سلوكيات خضراء, مثل شراء المنتجات الخضراء وإستخدام البدائل الطبيعية للمبيدات الحشرية. ومع ذلك، فإنه وعلى المدى البعيد, سيكون من الصعب الحفاظ على نجاح البرامج البيئية المعتمدة من قبل المنظمات غيرالحكومية ليستفيد منها الأجيال القادمة دون تشريعات تضمن إستمرارية التعليم البيئي.

آفاق مستقبلية لمحو الأمية البيئية في الأردن

يعتبر نظام التعليم الأردني نظاماً مركزياً حيث أنه لا يتم التشاور مع المعلمين حول المناهج الدراسية, كما تتميز المناهج الدراسية الأردنية بأنها أحادية التخصصات، مما يؤدي إلى صعوبة تطبيق التعلم متعدد التخصصات. وعلى الرغم من دمج المواضيع البيئية في المناهج مؤخراً، إلا أن هذا الدمج لا يزال مجزءاً, لذلك, فإن أمام الأردن طريقاً طويلاً لتقطعه قبل أن يمكن لها أن تنفذ إستراتيجية وطنية شاملة للتعليم البيئي في نظامها التعليمي.

يحتاج الأردن إلى تبني برنامج تعليم بيئي شامل يتبني مبادئ التنمية المستدامة، ويقدم الأفكار الخضراء التي تنظر للتعامل مع القضايا البيئية على أنها هدف مركزي لتقديم مختلف الحلول للمشاكل البيئية المختلفة. لذا, يتحتم على وزارة التربية والتعليم دمج المعرفة التقليدية التي تركها لنا الأجداد بشكل فعال مع القيادة البيئية نظراً للإرتباط بين الإثنين،كما أنه من المهم العمل على تمكين الشباب والتأثيرعلى سلوكيات الجمهور الأردني نحو الهدف المنشود ألا وهو المشاركة في تحسين الواقع الصعب للمشاكل البيئية في البلاد. ولا يمكن إستثناء العلماء والباحثين من هذه العلمية التعليمية, حيث ينبغي للمجتمع العلمي المشاركة في الجهود الوطنية وتبني عملية إتصال فعالة من شأنها أن تنقل أبحاثهم العلمية إلى لغة سهلة ومفهومة للعامة والمنظمات المسؤولة عن التعليم حتى يتمكن المجتمع من الإستفادة منها وتطبيقها.

بالإضافة إلى كل ما ذكر، فإن ينبغي للأردن أن يعتمد نهجاً شاملاً لتبني المدارس البيئية عديمة الإنبعاثات في جميع أنحاء البلاد، حيث يجب أن تعتمد سياسة التدريس المدرسي على تطوير الأخلاق البيئية في المجتمع المدرسي ككل, ودمجه مع تعزيز ربط الطلبة بالطبيعة المحلية والتي تعتبر جزءاً من الهوية الوطنية والإرث الوطني, كذلك يجب أن تكون هذه المدارس مدارساً بيئيةً مكتفيةً ذاتياً من حيث الإعتماد المطلق على الطاقة المتجددة، في حين يستوجب الإعتماد على الطاقة الجوفية الحرارية لغايات التكييف والتدفئة, أما تصميم البناء فيجب أن يكون أخضراً من حيث تبني البناء بالطين وإستخدام المواد الطبيعية المحلية، وعلاوة على ذلك، فإن مياه الأمطار التي جمعت من الحصاد المائي ستستخدم لري حديقة المدرسة والتنظيف وإستخدامات أخرى, هذا عدا عن تطبيق برنامج متكامل للتقليل من النفايات وإعادة تدويرها. هذا نموذجٌ مبسط لمدرسة بيئية يحمل في ثناياه مستقبلاً مشرقاً لطلبة رياديين سيحصلون على التعليم الأخضر رفيع الثقافة والذي يعتبر في نهاية المطاف لبنة الأساس لمستقبل مستدام زاهر.

Republished by Blog Post Promoter

About Nura A. Abboud

Nura A. Abboud is an environmental activist and Founder of the Jordanian Society for Microbial Biodiversity (JMB), the only NGO in the Middle East concerning the microbial biodiversity. Nura specializes in molecular biology, biological sciences, microbial biodiversity, genetic fingerprinting and medical technologies. Her vision is to establish an eco-research center in the astonishing desert south of Jordan. She has received several scholarships and awards including honorary doctorate in Environmental leadership.
Tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to التعليم البيئي والتربية البيئية

  1. Mohammed says:

    Thank you for the such informative article, we really need to focus more on creating awareness and integrating environmental issues in our curculums.

    Regards,

    Mohammed.

  2. Elham says:

    we founded a creative club in Albulqa and one of our main goals is environmental education for children and healthy lifestyle, organic or at least local food.
    I’d like to cooperate with you Noura and work together, your email or contact details please.

  3. Pingback: رسالة التربية البيئية | | EcoMENA

Share your Views