كلّ يوم نُلقي بشيءٍ ما: قارورة، أو كرتون، أو قطعة ملابس، أو طعامٍ زائد.
نشعر أننا تخلّصنا منه، لكن الحقيقة أبعد من ذلك… لا شيء يختفي. النفايات لا تموت، بل تغيّر مكانها فقط.
نحن اليوم نعيش ضمن ما يُعرف بـ الاقتصاد الخطي:
نأخذ، ثم ننتج، ثم نستهلك، ثم نرمي.
وكأن الموارد لا تنفد، وكأن الأرض تمتلك قدرة غير محدودة على استيعاب القمامة. ومن هنا، يبرز مفهوم الاقتصاد الدائري. فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها ثورية في جوهرها: لماذا لا نعيد تدوير الشيء بدلًا من رميه؟ ولماذا لا نُصمّم المنتجات منذ البداية لتعيش أطول، أو لتُفكّك وتُعاد الاستفادة منها؟
الاقتصاد الدائري يعني أن تتحوّل النفايات إلى موارد. أن تصبح القارورة البلاستيكية كيس تسوّق يُستخدم مرارًا، وأن يتحوّل الطعام الزائد إلى سماد، وأن تُعاد تدوير الملابس القديمة لتصبح خيوطًا جديدة. هو ليس حماية للبيئة فحسب، بل فرصة اقتصادية حقيقية. شركات بدأت تبني أرباحها على إعادة التدوير، ومجتمعات خلقت وظائف من النفايات. وكلّ ذلك يبدأ بوعيٍ بسيط:
أن ما نرميه اليوم قد يعيش حياةً ثانية.
تخيّل مدينة لا تمتلئ فيها الحاويات، لأن لكل شيء مصيرًا. تُجمع بقايا الطعام لتتحوّل إلى طاقة أو سماد، وتُفكّك الأجهزة القديمة لصناعة أدوات جديدة، ويختار الناس الاستبدال والإصلاح بدل الرمي. في تلك المدينة، لا تتراكم النفايات، بل تدور في دورة حياة مستمرة. هناك، يتحمّل الجميع المسؤولية: المصنع، والمستهلك، والمشرّع. فكل قرار له أثر، وكل منتج يحتفظ بقيمته حتى بعد استخدامه. ليس لأن المدينة مثالية، بل لأنها أدركت أن الاستدامة لا تنجح كخيار فردي فقط، بل كنظام حياة متكامل.
ربما يأتي يوم لا نقول فيه «نفاياتنا»، بل نقول «مواردنا المؤجّلة». لأن الشيء لا ينتهي حين نرميه، بل ينتهي حين نتوقّف عن الإيمان بقيمته.
