بصمة خضراء… نفاياتنا من ذهب

كلّ يوم نُلقي بشيءٍ ما. قارورة فارغة بعد عطشٍ عابر، كرتون شُحن به منتج لم نعد نتذكّره، قطعة ملابس اشتريناها بدافع اللحظة، أو طعامٍ زاد عن مائدتنا. نرميه ونمضي، نشعر أننا تخلّصنا منه، وأنه خرج من حياتنا بلا رجعة. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير… لا شيء يختفي. النفايات لا تموت، بل تغيّر مكانها فقط. تنتقل من أيدينا إلى الأرض، ومن منازلنا إلى المكبّات، ومن نظرنا إلى ذاكرة الكوكب.

ما نراه «رميًا» هو في الحقيقة نقل للمشكلة، لا حلًّا لها. فالقارورة التي تختفي من سلّة المطبخ قد تبقى في الطبيعة مئات السنين. والطعام الذي نلقيه اليوم قد يتحوّل إلى غاز يساهم في تغيّر المناخ غدًا. لكننا اعتدنا على أن ما لا نراه… لا يقلقنا، وكأن البُعد عن أعيننا يُعفي ضمائرنا من المسؤولية.

نحن اليوم نعيش ضمن ما يُعرف بـ الاقتصاد الخطي. نأخذ من الأرض، ثم نُنتج، ثم نستهلك، ثم نرمي. خط مستقيم يبدأ بالاستخراج وينتهي في القمامة. نموذج بُني على افتراض خطير: أن الموارد لا تنفد، وأن الأرض قادرة دائمًا على الاستيعاب، وأن المستقبل سيتكفّل بالعواقب. هذا النموذج ربما خدم عصرًا صناعيًا سريعًا، لكنه اليوم أصبح عبئًا ثقيلًا على كوكبٍ بدأ يُظهر حدود قدرته.

ومع تضخّم المكبّات، وتلوّث البحار بالبلاستيك، واختناق المدن بالنفايات، لم يعد السؤال: هل هذا النموذج ناجح؟ بل: كم بقي له من الوقت؟

من هنا، يبرز مفهوم الاقتصاد الدائري. فكرة تبدو بسيطة، لكنها في عمقها تغيير جذري في طريقة التفكير. بدل أن تكون حياة المنتج خطًّا مستقيمًا ينتهي بالرمي، تصبح دائرة. دائرة تُعاد فيها المواد إلى الدورة الاقتصادية بدل أن تُدفن أو تُحرق. لماذا لا نُعيد استخدام الشيء بدلًا من رميه؟ ولماذا لا نُصمّم المنتجات منذ البداية لتعيش أطول، أو لتُفكّك بسهولة، أو لتُعاد الاستفادة من مكوناتها؟

الاقتصاد الدائري يعني أن تتحوّل النفايات إلى موارد. أن نرى في القارورة البلاستيكية مادة خام لا عبئًا، وفي بقايا الطعام فرصة لا مشكلة، وفي الملابس القديمة قيمة لم تُستنفد بعد. هو انتقال ذهني قبل أن يكون تقنيًا: من عقلية «الاستخدام ثم الرمي» إلى عقلية «الاستخدام ثم التحويل».

وهنا، يتغيّر مفهوم القيمة نفسه. فالشيء لم يعد يُقاس بما يقدّمه في لحظة واحدة، بل بما يمكن أن يقدّمه عبر أكثر من حياة. المنتج الجيد لم يعد الأرخص أو الأسرع، بل الأطول عمرًا، والأسهل إصلاحًا، والأقل هدرًا. وهذه الفلسفة لا تحمي البيئة فقط، بل تُعيد الاعتبار للجودة والمعنى في عالمٍ أرهقته السرعة.

الاقتصاد الدائري ليس حلمًا مثاليًا، بل واقع بدأ يتشكّل. شركات حول العالم أعادت تصميم منتجاتها لتُفكّك وتُعاد، ومصانع تحوّل نفاياتها إلى مدخلات إنتاج، ومدن تبني أنظمة لجمع وفرز النفايات بدل دفنها. والأهم: مجتمعات بدأت تدرك أن النفايات ليست نهاية السلسلة، بل بدايتها من جديد.

ومن زاوية اقتصادية، يفتح هذا النموذج أبوابًا واسعة. وظائف جديدة في إعادة التدوير، والصيانة، والتصميم المستدام. تقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة. خفض التكاليف على المدى الطويل. الاقتصاد الدائري لا يعني التخلّي عن النمو، بل إعادة تعريفه ليكون أذكى، وأبطأ في الهدر، وأطول نفسًا.

لكن هذا التحوّل لا ينجح بفرد واحد، ولا بشركة واحدة. الاقتصاد الدائري مسؤولية مشتركة. المصنع الذي يختار التصميم، والمستهلك الذي يختار الشراء، والمشرّع الذي يضع القوانين ويخلق الحوافز. حين يُكافأ الرمي لأنه الأسهل، وحين يُهمَّش الإصلاح لأنه غير مربح، تفشل الدائرة قبل أن تبدأ. أما حين تتكامل الأدوار، يصبح التغيير ممكنًا وواقعيًا.

تخيّل مدينة لا تمتلئ فيها الحاويات، ليس لأن الناس لا تستهلك، بل لأن لكل شيء مسارًا واضحًا. تُجمع بقايا الطعام لتتحوّل إلى سماد أو طاقة، وتُفكّك الأجهزة القديمة لاستخلاص معادنها، ويختار الناس الإصلاح والاستبدال بدل الرمي السريع. في تلك المدينة، لا تختفي النفايات، بل تدور.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي: تغيير السلوك. فنحن اعتدنا الراحة السريعة؛ نشتري بدل أن نُصلح، ونستبدل بدل أن ننتظر، ونرمي لأن الرمي أسهل من التفكير في البديل. الاقتصاد الدائري يطلب منا أن نبطئ قليلًا، أن نسأل قبل الشراء: هل أحتاجه فعلًا؟ هل يمكن إصلاحه؟ هل له حياة بعدي؟ أسئلة بسيطة، لكنها قادرة على زعزعة نمط استهلاكي بُني لعقود على الإقناع السريع والتجديد المستمر.

ومع الزمن، يتحوّل هذا الوعي إلى ذاكرة جماعية. جيلٌ ينشأ وهو يرى الإصلاح أمرًا طبيعيًا، وإعادة الاستخدام سلوكًا ذكيًا لا دليل فقر، والتقليل من الهدر قيمة لا حرمان. عندها، يتغيّر شكل المدن والأسواق والمنتجات. فالمستقبل لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل بما نُطَبِّعه في عقولنا وأيدي أطفالنا.

هناك، لا يُنظر إلى القمامة كعبء، بل كفرصة مؤجّلة. ولا يُترك العبء على فرد واحد، بل يُوزَّع بعدالة بين الجميع. ليست مدينة مثالية، بل مدينة قرّرت أن تواجه الواقع بدل تجاهله.

وربما يأتي يوم لا نقول فيه «نفاياتنا»، بل نقول «مواردنا المؤجّلة». لأن الشيء لا ينتهي حين نرميه، بل ينتهي فقط… حين نتوقّف عن الإيمان بقيمته.

Tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

About م. صقر خالد العنزي

المهندس صقر خالد العنزي مهندس مدني متخصص في الهندسة المستدامة، وهندسة إدارة التشييد، وهندسة المياه والصرف الصحي. حاصل على درجة بكالوريوس العلوم في الهندسة المدنية من «جامعة ألاباما» في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل حاليًا في وزارة الأشغال العامة بدولة الكويت كمشرف على محطات معالجة مياه الصرف الصحي. يُعد المهندس صقر محترفًا في إدارة المشاريع، ومعتمدًا في تطبيق كفاءة الطاقة. كما أنه كاتب عمود في جريدة «الجريدة» الكويتية، وناشط في مجال الاستدامة، ومؤسس وكاتب نشرة «بصمة خضراء». تشمل اهتماماته التنمية المستدامة، المدن الذكية، الاقتصاد الدائري، إدارة النفايات، التحول الطاقي، تغيّر المناخ، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة بالاستدامة.

Share your Thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.