بصمة خضراء… ثلاثية الخطر

منذ الثورة الصناعية، اعتمد العالم بشكل شبه كامل على ما يُعرف بـ «الوقود الأحفوري» لتشغيل اقتصاده وبناء حضارته الحديثة. الفحم، النفط، والغاز الطبيعي كانت هي العمود الفقري للطاقة؛ منها انطلقت المصانع، وبها توسّعت المدن، وعلى ضوئها أُضيئت البيوت، وتحرّكت وسائل النقل، وتسارعت عجلة الإنتاج. هذه المصادر منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على السيطرة على محيطه وتسخير الطبيعة لخدمته، لكنها لم تكن يومًا مجانية الأثر.

فخلف كل وحدة طاقة ننتجها من احتراق الوقود الأحفوري، هناك كلفة خفية لا تظهر في فواتير الكهرباء أو أسعار الوقود، بل تُدفع من رصيد البيئة والمناخ. هذه الكلفة تتمثل في كميات هائلة من الغازات التي تُطلق في الغلاف الجوي مع كل عملية احتراق، غازات لا نراها بأعيننا، لكنها تتراكم عامًا بعد عام، وتغيّر توازن الكوكب بهدوء خطير.

fossil fuels, GHG emissions and climate change

تُعرف هذه الغازات باسم «الغازات الدفيئة»، وأشهرها ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز. تمتلك هذه الغازات خاصية فيزيائية تجعلها قادرة على امتصاص الحرارة وحبسها داخل الغلاف الجوي. وجودها الطبيعي ليس مشكلة، بل هو ضروري للحياة، إذ يعمل كدرع يحافظ على درجة حرارة الأرض ضمن نطاق يسمح بوجود الماء السائل واستمرار النظم البيئية. من دونها، ستكون الأرض كوكبًا باردًا لا يصلح للحياة كما نعرفها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز هذه الغازات حدودها الطبيعية. فمع التوسع الصناعي، وزيادة استهلاك الطاقة، والاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، ارتفعت تركيزات الغازات الدفيئة إلى مستويات لم يشهدها الكوكب منذ آلاف السنين. هنا يختل التوازن، وتتحول الآلية التي كانت تحمي الحياة إلى عامل يهددها.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: فالعالم الذي استفاد من الوقود الأحفوري في تحقيق النمو والرفاه، هو ذاته العالم الذي بات مهددًا بنتائج هذا الاعتماد. فكل مصنع يعمل، وكل مركبة تتحرك، وكل مدينة تُضاء ليلًا، تترك خلفها أثرًا غير مرئي يتراكم في السماء. لم يعد الاحتباس الحراري قضية مستقبلية بعيدة، بل نتيجة حتمية لنمط اقتصادي بُني على فكرة الاستخراج السريع والاستهلاك المفرط، دون اعتبار لقدرة الطبيعة على الاحتمال. لقد تصرّف الإنسان وكأن الغلاف الجوي مساحة لا نهائية تستوعب كل ما نلقيه فيها، وكأن الأرض قادرة دائمًا على تصحيح أخطائنا بنفسها. لكن الطبيعة لا تنسى، ولا تُهمل الحسابات؛ هي فقط تؤجل الرد، وحين يأتي، يكون شاملًا وبطيئًا وقاسيًا في آن واحد.

الاحتباس الحراري هو النتيجة المباشرة لهذا الخلل. عندما تتكدّس الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، يصبح أشبه ببطانية سميكة تلتف حول الأرض، تمنع الحرارة من التسرب إلى الفضاء. ومع مرور الوقت، ترتفع درجة حرارة الكوكب ببطء، لكن بثبات واستمرارية. هذا الارتفاع لا يحدث فجأة، ولا يُشعِرنا بالخطر في يوم واحد، لكنه يتراكم سنة بعد سنة، ويترك آثاره العميقة على كل نظام طبيعي.

وهذا التغير ليس مجرد أرقام في تقارير علمية أو رسوم بيانية في مؤتمرات المناخ. هو تغيّر ملموس في حياتنا اليومية: موجات حرّ أشد وأطول، جفاف يضرب أراضي زراعية كانت خصبة، فيضانات تبتلع مدنًا ساحلية، أعاصير أقوى، وحرائق غابات تتكرر بوتيرة غير مسبوقة. حتى النظم البيئية التي حافظت على توازنها لقرون بدأت تفقد استقرارها. إنه اختناق بطيء، وكوكب يتعب تحت وطأة نمط استهلاك لا يرحم.

reasons for global warming

يمكن تشبيه المشهد بمنظومة مترابطة: الوقود الأحفوري هو الجذور، الغازات الدفيئة هي الجذوع، والاحتباس الحراري هو الثمار المُرّة. ما لم نكسر هذه السلسلة من جذورها، ستواصل النتائج في التفاقم. لا يمكن معالجة الاحتباس الحراري دون مواجهة السبب الأساسي، ولا يمكن الحديث عن مستقبل مستدام مع استمرار الاعتماد على مصادر طاقة تُراكم الخلل بدل إصلاحه.

والتغيير المطلوب ليس قرارًا واحدًا، ولا تقنية واحدة، ولا مسؤولية جهة بعينها. بل هو إعادة تفكير شاملة في طريقة عيشنا: كيف نسافر، كيف ننتج الغذاء، كيف نُصمّم مدننا، كيف نستهلك الطاقة، وكيف نُقيّم مفهوم «التقدّم» نفسه. الاستدامة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تمس حاضرنا قبل مستقبلنا.

قد لا نرى هذه الغازات، ولا نشعر بها مباشرة، لكنها ترى كل شيء، وتؤثر في كل شيء، وتُحاسب بصمت. وكل تأخير في الفهم أو الفعل، يعني أن الفاتورة التي ستدفعها الأجيال القادمة ستكون أثقل، وأكثر قسوة.

Tagged , , , . Bookmark the permalink.

About Saqer Khaled Alenezi

Eng. Saqer Khaled Alenezi is a civil engineer specializing in sustainable engineering and construction management engineering, water and wastewater engineering. He holds a Bachelor of Science in Civil Engineering with distinction from The University of Alabama and currently works at the Ministry of Public Works in Kuwait as a supervisor of wastewater treatment plants. He is a project management professional and certified in applying energy efficiency by RENAC/KFAS. Saqer is a sustainability advocate and the founder and writer of Green Imprint, a newsletter dedicated to translating complex sustainability and environmental concepts into clear, human-centered narratives. His interests include sustainable development, smart cities, circular economy, waste management, energy transition, and climate change, Artificial intelligence, etc. Eng. Saqer can be reached on saqerkhsh@gmail.com and Saqerkhsh@outlook.com.

Share your Thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.