يُعَدّ التلوّث البيئي العالمي الراهن إلى حدٍّ كبير نتيجةً مباشرة لعمليات التصنيع المتسارعة التي منحت الأولوية، عبر عقود طويلة، للنمو الاقتصادي وتعظيم الأرباح على حساب الاستدامة البيئية. فقد أسهم التطور الصناعي في إطلاق كميات ضخمة من الملوِّثات في الهواء والمياه، وفي تلويث التربة والنظم البيئية، إضافةً إلى تسارع استنزاف الموارد الطبيعية. ومع تزايد وضوح هذه التحديات البيئية وتعقّدها، برزت الحاجة إلى أدوات منهجية تمكّن المؤسسات من إدارة آثارها البيئية والحدّ منها بصورة فعّالة. وفي هذا السياق تطوّرت أنظمة الإدارة البيئية لتصبح أدوات أساسية تسعى من خلالها المنظمات إلى تحسين أدائها البيئي على نحوٍ منهجي وقابل للقياس ومستدام على المدى الطويل.
تعمل أنظمة الإدارة البيئية بوصفها آليات حَوْكَمَة طوعية تعتمدها المؤسسات لدمج الاعتبارات البيئية في عملياتها اليومية، وفي قراراتها الاستراتيجية، وفي تخطيطها بعيد المدى. ويكمن جوهر هذه الأنظمة في القدرة على تحديد الجوانب البيئية للأنشطة التشغيلية، وتقييمها، وإدارتها، والتحكم في الانبعاثات والآثار المترتّبة عليها. ورغم الطابع الطوعي لهذه الأنظمة، فإنها اكتسبت أهمية كبيرة لما توفره من دعم في الالتزام بالمعايير البيئية الوطنية والدولية، ولما تسهم به من تعزيز مصداقية المؤسسات أمام العملاء والمواطنين والجهات الرقابية. وقد تسارع تطور أنظمة الإدارة البيئية منذ أواخر القرن العشرين بالتزامن مع تحوّل القضايا البيئية إلى قضية عالمية، واعتراف المؤسسات بالحاجة إلى أدوات منظمة توجّه جهودها البيئية. وخلال العقود الأخيرة، ازدادت أعداد المؤسسات التي تتبنى استراتيجيات منهجية لتحسين أدائها البيئي، والامتثال لمتطلبات الاستدامة، وإثبات التزامها بمبادئ الإنتاج المسؤول بيئياً..
ولا يهدف النظام الإداري البيئي إلى معالجة المشكلات البيئية المباشرة فحسب، بل يسعى أيضاً إلى إقامة إطار طويل الأمد للتحسين المستمر، من خلال تحديد الأهداف، وتنفيذ برامج العمل، وإجراء تقييمات دورية للنتائج البيئية. ويقدّم هذا النظام منهجية منظمة تطرح أسئلة جوهرية مثل: ما الجوانب التي يمكن تحسينها؟ كيف يمكن زيادة كفاءة استخدام الموارد والطاقة؟ ما الانبعاثات التي يمكن خفضها دون التأثير على الإنتاجية؟ أيّ العمليات تولّد نفايات أو تأثيرات بيئية غير ضرورية، وكيف يمكن تحسينها؟
وتُعَدّ اللائحة الأوروبية للإدارة البيئية والتدقيق (EMAS) المنظمة الدولية للمعاير ومعيار (ISO 14001) أهم الأطر الدولية في مجال أنظمة الإدارة البيئية. ويُعدّ ISO 14001 الأكثر انتشاراً عالميًا، إذ يُطبَّق في أكثر من نصف مليون مؤسسة حول العالم. وقد طُوّر هذا المعيار بهدف توفير أساس موحّد لقياس الأداء البيئي وضمانه وإدارته، وبما يكفل تشغيل المؤسسات بكفاءة وأمان، وتعزيز مبادئ المسؤولية والشفافية والاستدامة في العمليات الإدارية والتشغيلية.
ويتطلب تنفيذ النظام الإداري البيئي عادةً إجراء تقييمات بيئية داخلية وخارجية تشمل إدارة النفايات، واستهلاك الطاقة، واستخدام المواد الكيميائية، ومستويات الانبعاثات، وغيرها من التأثيرات البيئية المباشرة وغير المباشرة. ويُعَدّ مبدأ التحسين المستمر محورًا أساسياً في هذه الأنظمة، إذ يتعيّن على المؤسسات ليس فقط بلوغ أهدافها، بل أيضاً رفع مستوى الطموح تدريجيًا مع تطور المعرفة والتكنولوجيا وتغيّر الظروف التشغيلية. وتشير الأبحاث إلى أنّ اعتماد ISO 14001 يؤدي غالباً إلى تحسينات ملحوظة، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تشكّل فيها الانبعاثات واستخدام الموارد عناصر بيئية رئيسية..
ويُلزم معيار ISO 14001 كل مؤسسة بوضع سياسة بيئية واضحة تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وبإعداد برنامج إداري بيئي يوضح سُبُل تحقيق تلك الأهداف. ويجب أن تكون هذه الأهداف متوافقة مع الآثار البيئية الجوهرية للمؤسسة والمخاطر المرتبطة بها. كما يُتوقّع من المؤسسات مراقبة أنشطتها يوميًا، وتقييم تأثيراتها البيئية، وتحديد مجالات إضافية للتحسين—مثل رفع كفاءة استخدام الموارد، وخفض الانبعاثات، وتطوير منتجات صديقة للبيئة، وتعزيز آليات الامتثال التشريعي. وبعد التطبيق، تخضع المؤسسة لتدقيق خارجي من جهة اعتماد مستقلة، ثم لتدقيقات دورية للحفاظ على الشهادة. متطلبات الاي ماس متشابهة للاي سي او لكن يتوجب على المؤسسة ان تكون اكر شفافية وان تنشر بيان كتقرير بيئي سنوي مراجع من جهة مستقلة يعرض أدائها البيئي. وتمنح هذه المتطلبات قدراً أكبر من المصداقية مايجعلها خياراً مفضلًا للمؤسسات التي ترغب في إظهار تقدمها البيئي للجمهور بصورة واضحة وموثوقة.
ففي مرحلة التخطيط تستند الادارة البيئية الى دورة خطّط – نفّذ – افحص-حسن التي تشير الى تخطيط للاجرائات التي تحسن من الاثار البيئية. وفي مرحلة التنفيذ تُوفَّر الموارد في المؤسسة، ويُقدَّم التدريب، وتُطبّق الضوابط التشغيلية. أما مرحلة المراجعة فتتضمن قياس الأداء البيئي وتقييمه، بينما يُعاد في مرحلة التحسين ضبط الأهداف واتخاذ الإجراءات التصحيحية، مما يضمن عملية منهجية للتحسين المستمر.
وتتباين دوافع المؤسسات لاعتماد أنظمة الإدارة البيئية بين عوامل داخلية وخارجية. فمن الناحية الخارجية، يمكن لشهادات الاعتماد تعزيز القدرة التنافسية، وفتح أسواق جديدة، وجذب العملاء، وتعزيز سمعة المؤسسة بوصفها جهة مسؤولة بيئياً. ومن الناحية الداخلية، تسهم هذه الأنظمة في خفض التكاليف عبر تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتقليل النفايات والانبعاثات، وتحسين بنية العمل. كما يمكنها تعزيز التواصل والتعاون وترسيخ ثقافة مؤسسية تدمج الاعتبارات البيئية في صنع القرار والممارسات اليومية.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الأنظمة من الانتقادات. فالدراسات تشير إلى أن العديد من الشركات الصغيرة في دول مختلفة قد تخلت عن شهاداتها، بينما حافظت الشركات الكبرى عليها. وتشمل الأسباب الشائعة لذلك: نقص الوقت، وارتفاع تكلفة التنفيذ، والعبء الإداري، وقلة الموارد البشرية، أو ضعف الطلب من العملاء. وترى بعض المؤسسات أن بإمكانها الاستفادة من أنظمة داخلية أقل تعقيدًا وأقل تكلفة دون حاجة إلى اعتماد خارجي. كما تُظهر الأبحاث أن أكبر التحسينات البيئية غالباً ما تحدث في السنوات الأولى من تطبيق ISO 14001، حين يكون التركيز منصبًّا على إدخال تقنيات وممارسات تشغيلية أكثر استدامة، ثم تستقر وتيرة التحسين بعد ذلك. وتشير دراسات أخرى إلى أن تنفيذ أنظمة الإدارة البيئية يسهم كذلك في تحسين التواصل بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، بفضل ما توفره الشفافية والإفصاح من وضوح في كيفية معالجة القضايا البيئية.
وخلاصة القول إن أنظمة الإدارة البيئية تشكّل أدوات قيّمة في مواجهة التحديات البيئية المعاصرة، غير أن فعاليتها تعتمد على مستوى التزام المؤسسة، وتوافر مواردها، وقدرتها على دمج هذه الأنظمة في عملياتها اليومية بصورة عملية ومستدامة.
تدقيق د. عبدالله شاهين
