آثار الحروب البيولوجية على البيئة والتنوع الحيوي

تعد الأسلحة البيولوجية من أشد الأسلحة المعروفة فتكاً وتدميراً, حيث أنها تستخدم للتسبب المتعمد في نشر الأوبئة بين البشر وفي تدمير البيئة من ماء وهواء وتربة, كما أنها تستخدم ضد المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية والتي هى لب إقتصاد بعض الدول. ومن أشهر أنواع الأمراض المستخدمة في الحروب البيولوجية: الجمرة الخبيئة, الجدري, الطاعون, الكوليرا, إنفلونزا الطيور, وأمراض الفم والقدم.

بالإضافة إلى الآثار الكارثية للأسلحة البيولوجية, فإن خطورتها تكمن في إنخفاض تكلفتها وسرعة وسهولة تحضيرها ونقلها وإستخدامها مقارنة بأسلحة الدمار الشامل الأخرى, وعلى العكس من القنابل النووية والكيمائية, فإنه يسهل إحاطة القنبلة الحيوية بالسرية التامة, حيث أنها تنتشر بشكل خفي عبر الهواء فهي بلا لون ولا رائحة وبالتالي لا يمكن إكتشافها أو تحديد مصدرها. ومن مخاطر السلاح البيولوجي أنه يصيب الكائنات الحية غير المقصودة بالهجمة العسكرية, كما ويصعب التفريق بينه وبين الحالات المرضية الطبيعية التي قد تشترك معه في الأعراض. ومع التقدم العلمي فإن الهندسة الحيوية زادت من خطورة إستخدام السلاح الجرثومي لقدرتها على تحضير أسلحة جرثومية لأهداف عسكرية محددة.

الحرب البيولوجية والتلوث البيئي

يخلف إستعمال الأسلحة البيولوجية جراثيم الأمراض الملوثة للهواء، والماء، والغذاء، والبيئة بشكل عام, مسببة بذلك أمراض وبائية للإنسان والحيوان والنبات على حد سواء. حيث أن هذه الجراثيم المرضية لا تظل ساكنة بصورة وبائية في الطبيعة ولعدة سنوات فحسب, بل وتقاوم الظروف البيئية الصعبة.

هنالك عدد كبير من الأمراض الملوثة للهواء والمستخدمة في الحرب البيولوجية وتعد الفطريات من أشهرها، حيث أنها تنتقل بالهواء لمسافات بعيدة لتصيب النباتات السليمة بأمراض كالصدأ وغيره. أما تلوث الأغذية فهو من أقوى الطرق المستخدمة في تنفيذ هجمات الحرب الجرثومية, حيث تنقل العدوى إلى الإنسان مباشرة من خلال تناول الطعام أو الشراب الملوثين، أو بطرق غير مباشرة بوساطة عائل وسيط.

أما المياه فتنقل عدداً من الأمراض الفتاكة, فمثلاً يعتبر سـم بكتيريا  Clostridium tetaniمن أقوى السموم المستخدمة حربياً, حيث يستطيع  جرام واحد من هذا السم قتل ثمانية ملايين نسمة خلال ستة ساعات فقط وفي الحال. وليكون الضرر مزدوجاً على الحيوان والإنسان معاً, تستخدم مايكروبات الأمراض المشتركة كالحمى المالطية، الحمى القلاعية، جدري الأبقار، القراع، الحمى القرمزية وغيرها كثير.

تهديدات الحرب البيولوجية على التنوع الحيوي

هنالك إعتراف علمي متزايد بأهمية مكافحة الأمراض للحفاظ على التنوع الحيوي والسلالات الحيوية المهددة بالإنقراض.  وبالرغم من وجود اللقاحات والأدوية المضادة لمعظم الأمراض المستخدمة عسكرياً, إلا أنها قد لا تتوافر بكميات مناسبة لمواجهة التفشي الوبائي للأمراض. إن من أهم أسباب الإنقراض في الأنواع المهددة بالإنقراض هو الإصابة بالمرض, حيث تشكل هجمات الأسلحة البيولوجية خطراً على النباتات والحيوانات البرية النادرة بشكل طبيعي والأنواع التي قل عددها أو تدهورت موائلها الطبيعية بسبب الأنشطة البشرية. ومن الجدير بالذكر أن الأمراض التي استطاع البشر تطوير مناعة لها في الأنواع المحلية قد تكون مميتة في الحيوانات البرية.  إن الأسلحة البيولوجية ليس لها تأثيرات مباشرة على التنوع الوراثي للنباتات والحيوانات الأهلية فحسب، بل إن لها أيضاً آثاراً كارثية مباشرة وغير مباشرة على المجتمعات الحيوية من النباتات والحيوانات.

خطر الأسلحة البيولوجية على التنوع الحيوي الحيواني

تعتبر المحافظة على سلالات المواشي أمراً أساسياً للحفاظ على التنوع الجيني المهم بدوره لزيادة قدرة الكائنات الحية على التكيفات البيئية وتوفير المقاومة للآفات المختلفة وتأثيرات المناخ وغيرها. تتمثل خطورة الأسلحة البيولوجية على التنوع الحيوي الحيواني في ثلاثة جوانب رئيسية:

  1. خطر المرض المباشر على الأنواع البرية

 تتمثل خطورة الأسلحة البيولوجية في أن بعض الأمراض المميتة في البشر أو الحيوانات الأليفة, قد تصيب الحيونات البرية دون ظهور علامات سريرية للإصابة بالأمراض. يتجلى الضرر المدمر لإنتشار الوباء على الأنواع البرية المهددة بالإنقراض في آثار إنتشار مرض Canine distemper, وهو مرض فيروسي يصيب الكلاب الأهلية والحيوانات البرية المنتمية الى نفس الفصيلة، كما وطور هذا المرض في مختبرات الأسلحة البيولوجية, فخلال العقد الماضي، أدى تفشي هذا الداء إلى فقدان الموائل وإنقراض عدد كبير من الأنواع البرية المعروفة في أمريكا الشمالية والقضاء على ما يقارب ثلث مجتمعات الأسود في تنزانيا, كما ويشكل هذا المرض تهديداً خطيراً على العدد القليل المتبقي من الفهود المهددة بالإنقراض.

  1. خطر الكائنات الدخيلة

يقدم تاريخ مرض الطاعون البقري في أفريقيا نموذجاً للتنبؤ بالآثار المحتملة لإنتشار أمراض  فتاكة على الأنواع البرية والماشية, ففي عام 1887, أدخل فيروس الطاعون البقري إلى أفريقيا بوساطة الماشية عن طريق الجيوش الإستعمارية الأوروبية, مما أدى إلى تفشي الطاعون البقري بين سلالات الأبقار المحلية والأنواع البرية في أقل من عقد من الزمان، مما أسفر عن مقتل ما يقدر بـ 90-95٪ من الماشية والجاموس الأفريقي في شرق أفريقيا في غضون 3 سنوات, وللسيطرة على الوباء دمرت قطعان الماشية والجاموس الإفريقي في معظم مناطق أفريقيا. وعلى الرغم من جهود مكافحة مرض الطاعون البقري المكثفة على مدى القرن الماضي، فإن المرض لا يزال حيوياً داخل شرق أفريقيا ويحدث تفشياً دورياً بين الماشية والحيوانات البرية في المنطقة.

يتحتم نشر التوعية اللازمة فيما يتعلق بمخاطر الحروب البيولوجية.

  1. القضاء على الأنواع الحيوانية والعوائل الوسيطة وناقلات المرض

 قد تتعرض الأنواع المهددة بالإنقراض إلى الإتلاف في المناطق التي تعرضت لهجمات بيولوجية بهدف إستئصال المرض. فمثلاً, في الولايات المتحدة، أدت برامج مكافحة مرض البروسيلا في الماشية إلى إعدام حيوانات برية كالثيران الأمريكية, والأيل, والغزال الأبيض.

خطر الأسلحة البيولوجية على التنوع الحيوي النباتي

كما وتستخدم المايكروبات الحربية لتدمير المزروعات, فمثلاً ,يعتبر مرض “لفحة الأرز” من الأمراض الخطيرة التي تصيب الأرز، حيث تسبب العدوى ضعف النباتات وبالتالي قلة المحاصيل، كما وتسبب تغييرًا جينيًا في النبات، مما يؤدي إلى تسمم من يتناوله.

الإستنتاج والتوصيات

تتعالى الأصوات في المجتمع الدولي للسيطرة على الأسلحة المدمرة لما تشكله من خطرٍ فادح على البشرية والبيئة على حدٍ سواء, يمكن أن يؤدي الإخفاق في منع الهجمات البيولوجية إلى تدهور التنوع الجيني في الحيوانات والنباتات، وإنقراض الأنواع المهددة بالإنقراض وما يتبعه ذلك من عواقب وخيمة على الطبيعة، كما وسيؤول الأمر إلى إستبعاد السكان الأصليين، وتدمير سبل العيش البشرية والثقافات التقليدية, وفي كل الحالات السابقة ستكون البيئة بعناصرها المتعددة الخاسر الأكبر، حيث يؤدي السلاح البيولوجي إلى إختلال التوازن البيئي.

وبالرغم من أن تطورات التقنيات الحيوية قد زادت القيمة الإقتصادية للتنوع الوراثي للكائنات الحية، إلا أنها زادت أيضاً من خطر القضاء على التنوع الجيني من خلال إستخدام الكائنات الحية المعدلة وراثياً كأسلحة دمار شامل.

ليس من السهل وضع حداً لسباق التسلح البيولوجي, لذلك, فإنه يجب توحيد الجهود العالمية لمكافحة هذه التهديدات, فعلى الدول أن تعزز قدرتها على الكشف المبكر عن المرض, كما ويجب على المختصين بالصحة وبالعلوم الحياتية والإقتصاديين التواصل مع المشرعين لإقناعهم بأهمية تطوير جهاز دفاعي لمواجه الآثار غير المباشرة للأسلحة البيولوجية على النظم البيئية والقطاعات المهمة في الإقتصادات الوطنية. وبالتأكيد, يتحتم نشر التوعية اللازمة فيما يتعلق بمخاطر الحروب البيولوجية.

قائمة المراجـع

المراجع العربية

عنان، د. جمال عبد العزيز، 2000م. عالم الميكروبات وأسلحة الحرب الحيوية. كلية الملك خالد العسكرية (مذكرة)، المملكة العربية السعودية

عنان , عبد العزيز ,1424ه, وقفات بين الحرب البيولوجية وشبح الجمرة الخبيئة, كلية الملك خالد العسكرية, المملكة العربية السعودية.

                                         المراجع الأجنبية

  • Beckett , B . (1982) . Weapons of tomorrow . Orbis Pub . Co . London .
  • Berkeley, C.W. and M. Goodfellow (1981) . The aerobic endospore- forming bacteria. Academic Press, London.
  • Berkeley, R. C. W; N. A. Logan and Capey, A, G, (1984). Identification of Bacillus In Bergan (Ed), Methods in Microbiology, Vol. 16. Academic press, London, pp. 291-328.
  • Buchanan and Gibbons (1994) . Bergey’s Manual of Systematic Bacteriology, Williams & Wilkins, Baltimore, New York.
  • Dudley J.and Woodford M. (2002), Bioweapons, Biodiversity, and Ecocide: Potential Effects of Biological Weapons on Biological Diversity, BioScience, 52(7):583-592. 2002. http://www.bioone.org/doi/full/10.1641/0006-3568%282002%29052%5B0583%3ABBAEPE %5D0.CO%3B2)
  • Dudley, J. and Woodford M. (2002) “Bioweapons, Biodiversity, and Ecocide: Potential Effects of Biological Weapons on Biological Diversity.” American Institute of Biological Sciences, 52(7):583-592. 2002
  • Dudley, J. and Woodford M (2002). “Bioweapons, Bioterrorism and Biodiversity.” Rev. Sci. tech.off. int. EPIZ. 2002, 21 (1) , 125-137
  • Enan , G . ( 2000). Inhibition of B . cereus  ATCC 14579 by  plantaricin UGI in – vitro and in Food . Nahrung / Food 44 , 364-367 .
  • Gordon, R. E.; W. C. Haynes and C.Horney (1973). The Genus Bacillus. United states Dept. Agriculture, Washington, D.C., Handbook No . 427.
  • Hockenhull , D . J . D . ( 1981 ) . The fermentor piolt plant and its aims . Adv . Appl . Microbiol . 19 , 187 – 208 .
  • Hobbs, G. and T. Cross (1983). Identification of endospore-Forming bacteria. In Hurst and Gold (Eds.) , The bacterial spore, Vol. 11, Academic press, London, pp. 49-78.
  • Norris , J , R , R , C , W , Berkley ; N . A . Logan and A.G. Donnell ( 1983 ) . The genera Bacillus and Sporolactobacillus . in Starr, Stolp , trüper , Balows and Schlegel ( Eds . ) , the procaryotes . A Handbook on habitates, Isolation and Identification of Bacteria. Springer – Verlag , Berlin , PP . 1711 – 1742.

About Nura A. Abboud

Nura A. Abboud is an environmental activist and Founder of the Jordanian Society for Microbial Biodiversity (JMB), the only NGO in the Middle East concerning the microbial biodiversity. Nura specializes in molecular biology, biological sciences, microbial biodiversity, genetic fingerprinting and medical technologies. Her vision is to establish an eco-research center in the astonishing desert south of Jordan. She has received several scholarships and awards including honorary doctorate in Environmental leadership.
Tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Share your Thoughts