عِقْد العمل: المدن وأنسنة أهداف التنمية المستدامة

بقي أمامنا 10 سنوات على إنجاز ما التزمنا به ضمن الأجندة العالمية للتنمية المستدامة 2030. إلا أن وتيرة التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة أبطأ من المطلوب. في كانون الثاني/يناير 2020، وفي محاولة لتسريع التقدم وتكثيف الجهود، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “عِقْد العمل والإنجاز من أجل التنمية المستدامة”. ويستند العِقْد إلى ثلاثة مستويات من العمل: العمل العالمي، والعمل المحلي، والعمل الشعبي.

وعقب أسابيع من الإعلان، ضرب وباء “كوفيد-19” الكرة الأرضية وفاقم التحديات أمام جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة حول العالم. وفي حين أن رفاه الإنسان يقع في صميم التنمية المستدامة، إلا أن التوقعات تشير إلى ارتفاع معدل الفقر المدقع العالمي إلى 8.4 – 8.8 % في العام 2020، وهو ما يقارب معدلاته في العام 2017. وهذا يعني أن ما يقدر بنحو 40 إلى 60 مليون شخص قد يُدفعون إلى براثن الفقر المدقع، مما يتسبب في أول زيادة في الفقر العالمي منذ أكثر من 20 عاماً. وهذا وحده كفيل بتهديد معظم أهداف التنمية المستدامة في جميع أنحاء العالم إن لم يكن كلها.

Achieving low-carbon, sustainable growth in Arab cities is a complex task.

وبينما يشير الخبراء والمنظمات إلى هذه الزيادة الملحوظة في الفقر، تبرز الظواهر الوخيمة التالية كأولويات نحتاج جميعاً إلى فهمها ومعالجتها كونها في قلب الأهداف التنموية: تعتبر النساء والفتيات من أكبر المتأثرين بالصدمة الاقتصادية، كما يتأثر 90% من الأطفال حول العالم بإغلاق المدارس وبما يرتبط بذلك من توقف تزويد المكملات الغذائية واللقاحات. ومن الملاحظ أيضا ازدياد مستويات عدم العدالة والفروقات الاجتماعية بأنواعها، وتصاعد معدلات الجوع، مع التلويح بعدم القدرة على الالتزام بمستويات خفض الانبعاثات اللازمة للتصدي للتغير المناخي.

لقد حان الوقت لتحديد من تركنا خلفنا من فئات هشة ولحشد وتمكين الجهود المحلية للأخذ بزمام المبادرة نحو تحقيق انتعاش عالمي مستدام.

لماذا المدن؟

المدن هي محركات حيوية للنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي. فالمدن التي تخطط وتدير وتديم خدمات البنية التحتية والتنمية البشرية بشكل كفؤ توفر فرصا هائلة للحد من الفقر وتحقيق الرفاه الاجتماعي. وفي إطار التنمية المستدامة، يمكن للمدن أن تقود عملية التحول اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والأهم من ذلك أن تحفز العمل المحلي من أجل مجتمعات منعة وصحية وعادلة

إطار أهداف التنمية المستدامة – لماذا؟

تؤدي المخاطر والتحديات المتنامية والمرتبطة بالبنى التحتية والتنمية البشرية والتماسك والسلامة المجتمعية، علاوة على تغير المناخ والهجرات البشرية؛ إلى تعقيدات إضافية في مهام الحكومات المحلية. وقد يشكل الإطار العام لأهداف التنمية المستدامة اللغة المشتركة والإطار الشامل لفهم تلك التحديات والتعقيدات والتصدي لها. ففي حين أن المبادئ والأهداف الشاملة للتنمية المستدامة موحدة في جميع أنحاء العالم، إلا أنها تتيح المجال للكثير من المواءمة والابتكار من قبل المدن للاستجابة لاحتياجاتها المحلية الفريدة والمعقدة. وتعد الروابط والتداخلات المتعددة بين مختلف أهداف التنمية المستدامة أحد أهم محفزات الابتكار لتطوير الحلول التي تعالج أكثر من أولوية وتحقق أكثر من هدف. ومن جانب آخر، فإن المحددات المالية التي تواجهها معظم المدن تعتبر أيضا محفزات للابتكار ولتطوير ونشر التكنولوجيا التي من شأنها أن تساهم في الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

الاستعراضات المحلية الطوعية (Voluntary Local Reviews)

الاستعراض المحلي الطوعي هو أداة تستخدمها الحكومات المحلية للإبلاغ عن التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. في العام 2018، أطلقت مدينة نيويورك أول مراجعة محلية طوعية كوسيلة لمأسسة عملية إعداد التقارير حول التقدم المحرز في تحقيق التنمية المستدامة. ومن الممكن تعريف الاستعراض المحلي الطوعي على أنه منتج ملموس لإشراك المواطنين، والشركاء، والمدن النظيرة، والمجتمع العالمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ومع الوقت، تبين أن القيمة المضافة من الرحلة لا تقل أهمية عن الوجهة أو المخرج النهائي. فقد ساهمت عملية المراجعة وإعداد التقرير الطوعي في تحفيز التعاون بين مختلف المؤسسات المعنية في المدينة من خلال جمع البيانات وتحليلها، وتحديد وتقييم التقدم المحرز من مختلف الأوجه، علاوة على تعزيز الوعي وبناء القدرات بين الموظفين المعنيين. واستمر هذا الزخم والتعاون إلى ما بعد الانتهاء من إعداد التقرير، مما يبرز مخرجا هاما آخر من عملية المراجعة المحلية. كما أثبتت الاستعراضات المحلية أهميتها كمنصات لنشر المعرفة وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة كقيم جوهرية للتنمية المستدامة الحقيقية.

المدن تقود التغيير

على خلاف الاستعراض الوطني الطوعي (Voluntary National Review) ، فإن الاستعراض المحلي الطوعي لا يتمتع بأي صفة رسمية في الأمم المتحدة. لذا، لا توجد إجراءات أو معايير معتمدة لإعداده، مما يترك الباب مفتوحا أمام كل مدينة لتصميم وإعداد المراجعة التي توائم احتياجاتها وأولوياتها.

تقود بعض المدن مثل نيويورك وهلسنكي المسيرة في متابعة تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وينضم تباعا العديد من المدن من جميع أنحاء العالم من خلال شبكات ومنصات مختلفة.  ويشمل ذلك عددا من المدن الصغيرة ذات الموارد المحدودة التي تقوم بخطوات صغيرة ولكنها ملموسة على نفس المسار.

في حين توفر الاستعراضات الطوعية معلومات موثقة حول التقدم المحرز، فهي توفر أيضا السياق الصحيح للحوار المشترك والاتفاق بين مختلف الجهات المعنية على الأولويات والأهداف ومؤشرات الأداء الرئيسية. ومن بين بعض الالتزامات التي أعلنتها مدينة نيويورك في استعراضها الطوعي: الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050 من خلال السعي إلى تنفيذ إجراءات صارمة لتخفيف انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من المباني، والاعتماد على مصادر نظيفة للكهرباء بنسبة 100٪، بالتوازي مع خلق فرص عمل خضراء وتحميل الملوثين الكلف المتعلقة بالتغير المناخي؛ بالإضافة إلى إيجاد طرق لإعادة الاستخدام النافع لكافة المخلفات الحيوية للمدينة بحلول عام 2030، حيث ستساهم هذه الاستثمارات  في تحقيق أهداف الطاقة المتجددة وتقليل نسبة النفايات الذاهبة إلى المكبات إلى الصفر؛ كما تضمنت المراجعة العديد من الالتزامات الأخرى المتعلقة بالبيئة والصحة والشمولية المالية. وحدد الاستعراض المحلي الطوعي لمدينة نيويورك 10 مؤشرات أداء رئيسية لتتبع التقدم المحرز على أهداف التنمية المستدامة.

من ناحية أخرى، تعترف مدينة هلسنكي بأهمية الاستدامة في جعلها مركزًا عالميًا للابتكار.  وتضع هلسنكي التعليم الجيد والعمل اللائق والنمو الاقتصادي على رأس الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها ضمن رؤية المدينة.

وبنظرة أكثر قربا، تيرز في منطقتنا العربية، وتحديدا في الأردن، مجموعة من المبادرات التي تقودها المدن والسلطات المحلية. فقد انضمت العاصمة الأردنية عمّان إلى العديد من الشبكات والمنصات لتعزيز تبنيها لاستراتيجيات الطاقة النظيفة، والانبعاثات الكربونية المنخفضة، والمدن المنعة. كما تعمل جهات أخرى هامة، مثل بنك تنمية المدن والقرى، على تبني برامج خاصة لدعم الاستدامة وتمكين البلديات المحلية من تنفيذ مشاريع استراتيجية في هذا المجال.

وعلى نطاق أصغر، تُظهر مدينة سحاب قيادة وريادة حقيقية في التحول نحو التنمية المستدامة. وتعاني سحاب من نسبة  فقر تصل إلى  54%، وتبلغ مساحتها الإجمالية 12 كم2 يقطن فيها حوالي  75  ألف مواطن أردني بالإضافة إلى 40,000 لاجئ سوري. تواجه سحاب العديد من التحديات البيئية، وتضم المدينة اثنتين من أكبر المناطق الصناعية في المملكة. وعلى الرغم من محدودية الموارد المتاحة لمدن مثل سحاب، إلا أنها تبرز كنموذج يحتذى في تصميم والبدء بتنفيذ استراتيجية خاصة بالطاقة النظيفة (كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة).  كما انضمت سحاب، مدفوعة بشغف فريقها والتزامه، إلى ميثاق رؤساء المدن والمحليات العالمي للمناخ والطاقة (Covenant of Mayors for Climate and Energy) والذي يهدف إلى دعم وإشراك المدن والبلدات في تحقيق أهداف الطاقة والمناخ.

المدن – كبيرة كانت أم صغيرة – هي الحمض النووي المتكامل لأهداف التنمية المستدامة. ومن خلال وضع المدن وتفاعلاتها في الصف الأمامي، فإننا نضفي الطابع الإنساني على أهداف التنمية المستدامة ونقربها من القضايا المحلية والجهات الفاعلة. ولا يمكن أن يكون الوقت أكثر ملاءمة للاستفادة من إطار أهداف التنمية المستدامة لإنشاء وتعزيز الشراكات والتعاون بين الأفراد والمؤسسات للعمل معا على وضع وتنفيذ خطط مشتركة لانتعاش اقتصادي مستدام.  

About Ruba Al-Zu'bi

Ruba Al Zubi is a Sustainability Policy and Governance Advisor/Expert. She is a staunch advocate for policy-enabled action and has gained a unique experience in the areas of policy and planning, institutional development, sustainability mainstreaming into economic sectors, donor relations and research and innovation management. She recently served as Advisor to the President for Science Policy and Programme Development, Royal Scientific Society (RSS – Jordan). Prior to that, Ruba led the Scientific Research Department at Abdul Hameed Shoman Foundation, served as the first Policy Director at the Ministry of Environment, established and led several departments at the Development and Free Zones Commission, and served as the Chief Executive Officer of EDAMA Association for Energy, Water and Environment. In the nonprofit world, Al Zubi is a Plus Social Good Advisor with the United Nations Foundation and a Founding Member of Jordan Green Building Council. She is a global volunteer, mentor, speaker and blogger.
Tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to عِقْد العمل: المدن وأنسنة أهداف التنمية المستدامة

  1. Abd Harrouzi says:

    je pense qu’il faut développer à céer des villages écologiques rentables à autonomie d’énergie
    Nous sommes à votre disposition pour collaboration
    Bien cordialement

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.