آثار التغير المناخي على الصحة العامة

تسبّبت الأنشطة الصناعية الحديثة خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي في إطلاق  وتكدّس الغازات الدفيئة في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي وبالتالي حجز الحرارة والتأثير على مناخ الأرض, فمنذ عام 1975 وكل عقد يسجل درجات حرارة أعلى من العقد الذي يسبقه, حيث قدر معدل إرتفاع درجات الحرارة العالمي بـ 0.15-0.20 سْ للعقد الواحد, ولقد صرحت الأمم المتحدة أن العقد الماضي قد سجل معدل درجات حرارة هي الأشد في التاريخ. وبطبيعة الحال، كان للدول العربية نصيباً من هذا الإرتفاع، حيث شهدت عدة دول في المنطقة موجات حارة غير مسبوقة.

تشكل التغيرات المناخية تهديداُ على صحة سكان الأرض عامة, ولكن يعتبرسكان الدول النامية والمناطق القاحلة والمناطق القطبية والسواحل والجبال هم الأكثر تأثراً بهذا التغير, هذا ويعتبر الأطفال وكبار السن خاصة في البلدان الفقيرة أسرع الفئات تأثراً بالمخاطر الصحية الناجمة عن تغيّر المناخ والأطول تعرضاً إلى عواقبه الصحية.

تأثير تغيّر المناخ على الصحة

يرتبط تغير المناخ ارتباطاً وثيقاً بالصحة العامة للإنسان وله عدة تأثيرات مثبتة أهمها:

أولاً: انتشار الأمراض

بالرغم من التقدم العلمي الملحوظ في القضاء على إنتقال الأمراض إلا أنه يخشى من أن يفسد تغير المناخ هذا الإنجاز, حيث تبدي كثيرٌ من الأمراض الفتاكة حساسية شديدة تجاه تغيّر درجات الحرارة والرطوبة مما يؤدي إلى إنتشارها, ومن المتوقع أن يؤثر تغير المناخ على زيادة انتشار الأمراض المعدية المختلفة كما يلي:

  1. الأمراض المنقولة بالطعام: مثل Listeria.
  2. الأمراض المنقولة بالماء: مثل الكوليرا.
  3. الأمراض المنقولة بالهواء: فمثلاً , يمكن أن تساهم زيادة درجات الحرارة صيفاً في زيادة خطر الإصابة بداء Legionellosis   إذا تسببت الحرارة في زيادة استخدام التبريد.
  1. الأمراض المنقولة بالعوائل الوسيطة: مثل البعوض والقراد والذباب والقوارض والقواقع, فلهذه العوائل حساسية عالية للظروف المناخية بما في ذلك درجة الحرارة, ومن هذه الأمراض:

الملاريا : تنتقل الملاريا ببعوض “Anopheles” حيث تمتدّ فترة حضانة طفيل الملاريا 26 يوماً على درجة حرارة 25 سْ ولكنها تنخفض الى 13 يوماً على درجة حرارة 26 سْ, ولقد لوحظ إزدياد إنتقال الملاريا في المناطق المرتفعة في تنزانيا وكينيا ومدغشقر وإثيوبيا.

حمى الضنك: تنتقل عن طريق لسع البعوضة المصريّة، يؤدي هطول الأمطار الغزيرة ودرجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة إنتقال العدوى بهذه الحمى.

الليشمانيا: تنتقل عن طريق ذبابة الرمل والتي عادت أنواع أخرى منها  إلى الظهورفي أجزاء معيّنة من العالم.

البلهارسيا: من المتوقع أن يؤدي تغيّر المناخ إلى إتساع الرقعة الجغرافية التي تحدث فيها الإصابة بمرض البلهارسيا الذي تنقله القواقع.

أمراض أخرى تنتقل عن طريق القوارض: مثل متلازمة فيروس هانتا الرئوي والتي تزداد بازدياد عدد القوارض الناقلة لهذا المرض أثناء هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات.

إزدياد عام في الإلتهابات البكتيرية والطفيلية ولدغات الأفاعي.

ثانياً: الكوارث الطبيعية 

  1. تغيرأنماط سقوط الأمطار والذي سيؤثر على توافر مصادر المياه العذبة, حيث يخلّف شحّ المياه وإختلال جودتها تدهوراً في الصحة وإنخفاضاً في مستوى النظافة الشخصية ممّا يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض أشهرها الإسهال, كما تؤدي ندرة المياه إلى الجفاف والمجاعات. كذلك فإن نقص المياه العذبة سيؤدي إلى إنخفاض إنتاج المواد الغذائية الأساسية بما يقارب 50% في بعض البلدان الأفريقية خلال 2020 والذي بدوره سيزيد من معدل انتشار سوء التغذية.
  2. إرتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة والتي ستؤدي إلى تدمير الخدمات الصحية الضرورية, كما وسيتسبب إرتفاع سطح البحر في إجبارسكان المناطق الساحلية للإنتقال إلى أماكن أخرى مما يزيد المخاطر الصحية مثل الإضطرابات النفسية والأمراض السارية. وبينت دراسة نُشرت في NATURE عام 2015، إلى أن عدداً من المدن الساحلية المنخفضة، بما فيها أبو ظبي والدوحة ودبي والظهران، تعد الأكثر عرضة لخطر ارتفاع درجات حرارة فوق ما يحتمله الجسم البشري، كما وتحذر الدراسة من أن بعض درجات الحرارة في بعض دول الخليج قد تتجاوز 60 س بحلول منتصف القرن الحالي، ما سيجعل الحياة في منطقة الخليج مستحيلة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة.
  3. الأعاصير والفيضانات والحرائق: والتي تؤدي إلى تلوث مصادر المياه العذبة وزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه, كما أنها تتسبب في الغرق والإصابات الجسدية وتدمير المنازل والبنى التحتية والتشرد والقضاء على مصادر رزق الناس مما يعرضهم للإصابة بأمراض سوء التغذية. 

ثالثاً:    تلوث الهواء  

 أظهرت دراسة أجريت في الرياض عام 1998 أن غبار العواصف الرمليّة يشكّل مسبباً رئيسياً لأمراض الجهاز التنفسي, حيث أنه وبسبب تغيّر أنماط الرياح سترتفع مستويات مسببات الحساسية المنقولة بالهواء مثل حبوب اللقاح والغبار والعفن والجراثيم والمواد المسببة للإلتهابات الرئويّة والجلديّة في الهواء خاصة في الحر الشديد، ومن المتوقع أن يزداد هذا العبء بفعل الزيادة المستمرة في درجات الحرارة.كما ويسبب إرتفاع درجات الحرارة في زيادة الأوزون الأرضي والذي يزيد من معدل وشدة نوبات الربو، ويسبب تهيج الأنف والعين والسعال وإلتهابات الجهاز التنفسي.

رابعاً:  موجات الحر

تظهر الدراسات أن متوسط درجة الحرارة سيزداد في منطقة الشرق الأوسط بمعدل 1-2 سْ بحلول عام 2050. يُسهم ارتفاع درجات الحرارة صيفاً في زيادة الأمراض والوفيات الناجمة عن الأمراض القلبية والأمراض التنفسية, فقد أظهرت إحصاءات WHO أنه عالمياً وخلال الفترة ما بين 1998-2017 لقي أكثر من 166 ألف شخص حتفهم بسبب موجات الحر,  منها موجة الحر التي أودت بحياة 60 شخصاً في مصر عام 2015. هذا واستنتجت دراسة تحليليّة في الكويت إزدياد حالات إنحباس البول في فترات الطقس الحار في الفترة ما بين 1998-2001. كما ويرتبط التعرّض الطويل للحرّ الشديد بحالات الإغماء وضربة الشمس والتشنّجات. أضف إلى ذلك, أن الغازات الدفيئة  سببت ترققاً في طبقة الأوزون مما آل إلى إنخفاض إمتصاصيتها للأشعة الضارة, وبالتالي خطراً متزايداً بسبب التعرض للشمس منه تلف الجلد وحروق الشمس ومضاعفة خطر الإصابة بسرطان الجلد.

خامساً:  الأمراض الحيوانية

يؤدي التغير المناخي إلى زيادة ظهور أمراض جديدة بين الحيوانات مرتبطة بالإحتباس الحراري والتي تكون معدية للإنسان, منها: فيروس النيل الغربي وحمى الوادي المتصدع.

الإستجابة والتكيّف

ينبغي على دول العالم إتخاذ إجراءات الإستجابة والتكيّف لتخفيض العواقب الصحية المرتبطة بتغير المناخ ولتقليل آثاره المدمرة, ومن هذه الحلول:

  1. التحول إلى المدن منخفضة الانبعاثات الكربونية: وذلك بالتحول إلى مصادر الطاقة المتجدّدة وزيادة فعالية إستخدام الطاقة واعتماد الأبنية الخضراء وحماية التنوع البيولوجي والإدارة المستدامة للأراضي والمياه والنفايات وتطوير قطاع النقل بشكل مستدام.
  2. تحضير خطة إستعداد ورسم خرائط المخاطر والتي تبين المناطق المعرضة للخطر مثل الأراضي القاحلة والمدن الساحلية والمدن المكتظة.
  3. القيام بالأبحاث من أجل تقييم التغيّرات المناخية وأثرها على الصحّة وتقييم قدرة كل بلد على التكيّف,والعمل على تسهيل الحصول على المعلومات في هذا المجال.
  4. بناء القدرات وتطوير الأنظمة الصحية وتكيّفها وإستعدادها للإستجابة لتغيّر المناخ.
  5. تعزيز مفهوم تسعير الكربون.

المراجع العربية

  1. نوره عبود,  تأثير التغير المناخي على الصحة, مجلة آفاق البيئة والتنمية, 2014
  2. الصحة: مخاوف من تأثير تغير المناخ على أمراض المناطق المدارية المهملة.” شركة الأنباء الإنسانية, 2012
  3. نويهض, إيمان, رين يوسف،ريما حبيب. “أمراض قاتلة في بيئة متغيِّرة.” com المنتدى العربي للبيئة والتنميةApr. 2010. 10 May 2014.

المراجع الأجنبية

  1. Arnell NW. Climate change and global water resources: SRES emissions and socio-economic scenarios. Global Environmental Change – Human and Policy Dimensions, 2004, 14:31–52.
  2. Based on data from the United Kingdom Government Met Office. HadCRUT3 annual time series, Hadley Research Centre, 2008.
  3.      Climate change 2007. Impacts, adaptation and vulnerability. Geneva, Intergovernmental Panel on Climate Change, 2007 (Contribution of Working Group II to the Fourth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change).
  4.     Global health risks: mortality and burden of disease attributable to selected major risks. World Health Organization, Geneva, 2009
  5.     Hales S et al. Potential effect of population and climate changes on global distribution of dengue fever: an empirical model. The Lancet, 2002, 360:830–834.
  6. Maine CDC, Lyme Disease Surveillance Report – Maine 2008, http://www.maine.gov/dhhs/boh/ddc/epi/publications/2008-Lyme-disease-Surveillance-Report.pdf.
  7. Robine JM et al. Death toll exceeded 70,000 in Europe during the summer of2003. Les Comptes Rendus/Série Biologies, 2008, 331:171–78.
  8. Supinda Bunyavanich et al., “The Impact of Climate Change on Child Health,” Ambulatory Pediatrics 3 (2003): 44-52.
  9.  World Health Organization, Dengue and dengue hemorrhagic fever. http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs117/en//.
  10.  Zhou XN et al. Potential impact of climate change on schistosomiasis transmission in China. American Journal of Tropical Medicine and Hygiene, 2008, 78:188–194.
  11.  Center for Health and the Global Environment, Climate Change and Health in New Mexico, Harvard Medical School 2009.
  12.  Jonathan A. Patz, “Impact of regional climate change on human health,” Nature 438 (2005): 310-317.
  13.  R.S. Kovats et al., “The effect of temperature on food poisoning: a time-series analysis of salmonellosis in ten European countries,” Epidemiology and Infection 132 (2004): 443-453.
  14.  David Wood, “Effect of Child and Family Poverty on Child Health in the United States,” Pediatrics 112 (2003): 707-711.
  15.  Paul R. Epstein, “Climate change and Human Health,” New England Journal of Preventative Medicine 353 (2005): 1433-1436.
  16. https://apps.who.int/gb/ebwha/pdf_files/WHA72/A72_16-ar.pdf

About Nura A. Abboud

Nura A. Abboud is an environmental activist and Founder of the Jordanian Society for Microbial Biodiversity (JMB), the only NGO in the Middle East concerning the microbial biodiversity. Nura specializes in molecular biology, biological sciences, microbial biodiversity, genetic fingerprinting and medical technologies. Her vision is to establish an eco-research center in the astonishing desert south of Jordan. She has received several scholarships and awards including honorary doctorate in Environmental leadership.
Tagged , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to آثار التغير المناخي على الصحة العامة

  1. Pingback: اثار التغير المناخي على الصحة العامة | Amaretna

  2. Pingback: تأثير التغير المناخي على الصحة الإنجابية

  3. Pingback: هل مياه الشرب المعبأة ملوثة بجزيئات الميكروبلاستيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.